تفاصيل المقال

صيام الست من شوال .. فضائله وفوائده وبعض المسائل المتعلقة به - (1) – بقلم د. حمدي أبو سعيد ..

صيام الست من شوال .. فضائله وفوائده وبعض المسائل المتعلقة به - (1) – بقلم د. حمدي أبو سعيد ..

ينبغي أن يكون عمل المسلم للآخرة عمل دائبٌ مُستمر في اليوم واللَّيلة لا يكاد ينتهي في حياته إلاَّ بلقاء الله جلَّ وعلا؛ ومن عظيم فضل الله على عبده المُسلم أن شرع له في يومه وليلته من الأعمال التي يتقرَّبُ بها إليه سبحانه وتعالى من فرائض وسُنن وأعمال مُستحبة من الأقوال والأفعال والعبادات الظَّاهرة والقلبيَّة التي شرعها الله جلّ وعلا لصلاح عباده في الدنيا والآخرة، وهذه الأعمال والطاعات لا تنتهي إلاَّ بالموت، وهذا ما أراده الله سبحانه وتعالى من رسوله الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ إذ يقول جلَّ شأنه: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99]، واليقين هو الموت، والله جلَّ وعلا يُخاطب عباده المؤمنين بمثل هذا، فيقول سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102] .. قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ): "أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر" ..

 

وقوله: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإنَّ الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذاً بالله من خلاف ذلك". [تفسير الطبري] ..

 

 

 

 

 والمسلم الصالح الذي يسعى لمرضاة الله جلّ وعلا هو من يسأل الله على الدّوام أن يُوفِّقَهُ ويُعينه على ذكره وشُكره وحُسن عبادته؛ مُقتدياً بالنَّبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم؛ في وصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه كما رواها الإمام أبو داوود في "السُّنن" بسند صحيح عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) [سنن أبي داوود؛ برقم: (1522)]، لذا شرع الله الفرائض والواجبات، والسُّنن والنوافل بعد الفرائض جبراً لنُقصانها وتكثيراً لثوابها، لينتقل المسلم من طاعة إلى طاعة، ومن عبادة إلى عبادة؛ لتظل مواسم الطاعات والعبادات مُستمرة مُتصلة، فما إن ينتهي موسم إلاَّ ويستقبل المسلمون موسماً آخر، والآن وقد انقضى شهر رمضان، بعد أن صام المسلمون نهاره وقاموا ليله إيماناً واحتساباً للأجر عند الله جلّ وعلا، ها هم يستقبلون موسماً آخر من مواسم الطاعة والعبادة ألا وهو موسم الحج الذي جعل الله أول شهوره؛ شهر (شوّال) الذي يأتي بعد رمضان مُباشرة، ولمَّا كانت السُّنن والنَّوافل المستحبَّة تأتي مع الفرائض جبراً لنُقصانها، وزيادة في الأجر والثَّواب لفاعليها؛ رأينا ذلك في الصلاَّة فرائض وسُنن، وفي الزكاة فريضة من الله، وشَرع بجانبها صدقات مسنونة مُستحبَّة يُحبها الله، ففي الصيام كذلك جاء شهر رمضان الذي فرض الله صيامه، وشَرع بجانبه الصيام المسنون والمستحب وهو كثير، ومن هذا الصيام المسنون الذي يُحبُّه الله جلَّ وعلا: صيام السِّتّ من شوَّال: ((فَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)) [صحيح مسلم؛ برقم (1984)] ..

 

ومن الصيام المسنون الذي رغَّبَ النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه: صيام الاثنين والخميس من كُلِّ أسبوع، وقال: ((إِنَّ الأَعْمَالَ تُعْرَضُ فِيهِمَا عَلَى اللهِ)) [جامع الترمذي: "كتاب الصيام"؛ برقم: (678)] ..

وحثَّ صلى الله عليه وسلم على العمل الصالح في عشر ذي الحجة، ومنه الصيام، فقد روى الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، عنه صلى الله عليه وسلم: ((أنَّهُ  كَانَ لاَ يَدَع صِيَامَهَا)) [سنن النسائي: "كتاب الصيام"؛ برقم: (2332)] ..

ورغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في صيام يوم عرفة لغير الحاج؛ وقال صلى الله عليه وسلم: ((يُكَفّر سَنَتَيْنِ مَاضِيَة وَمُسْتَقْبَلة)) [صحيح مسلم؛ برقم (1977)، مسند أحمد؛ برقم: (21496)].. وقال صلى الله عليه وسلم: ((أفضلُ الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرّم)) [صحيح مسلم؛ برقم: (1982)] ..

وَأوصى صلى الله عليه وسلم أبا هريرة وأبا ذَرّ وأبا الدرداء رضي الله عنهم أجمعين، بصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر"؛ قال أبو هُريرة رضي الله عنه: ((أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ)) [صحيح البخاري: برقم (1845)، وصحيح مسلم؛ برقم: (1182)] ..

 

 وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ((أَوْصَانِي حَبِيبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ))[صحيح مسلم؛ برقم: (1183)] ..

 

 وقال صلى الله عليه وسلم: ((صَوْمُ ثَلاَثَة أيامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ: صَوْم الدَّهْرَ كُلَّهُ)) [صحيح البخاري؛ برقم: (1840)] ..

وفي استحباب صيام شعبان، قالت أُمُّنا عائشة رضي الله عنها: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ)).[صحيح البخاري؛ برقم: (1863)] ..

وفي صحيح مسلم عن أُمِّنا عائشة رضي الله عنها: ((كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلا قَلِيلا)).[صحيح مسلم؛ برقم: 1165)] ..

وفيما يلي بيان لحكم صيام الست من شوال، وشيء من فضائله وثمراته وفوائده، وبعض الأحكام والمسائل المتعلقة به، وبالله التوفيق ..

________________

* - للموضوع -صلة وتكملة- بمشيئة الله تعالى .. 

 

 

 

 



مقالات ذات صلة