وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (2) - للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..

وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (2) - للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..

 

وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (2) - للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..

 

وللصيام فضائل جاءت في أحاديث الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وعلى رأس هذه الفضائل، قوله صلى اله عليه وسلم:((لو تعلم أمتي ما في رمضان من الخير لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان)) [2].

 

وعنه صلى الله عليه وسلم: ((ولِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))[3].

 

وروى عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأعمالُ عند اللهِ عزَّ وجلَّ سبعٌ: عملان مُوجِبان، وعملان بأمثالِهما، وعملٌ بعشرِ أمثالِه، وعملٌ بسبعِمائةٍ، وعملٌ لا يعلمُ ثوابَ عاملِه إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ، فأمَّا الموجِبان: فمن لقِي اللهَ يعبدُه مخلصًا لا يشركُ به شيئًا وجبت له الجنَّةُ، ومن لقي اللهَ قد أشرك به وجبت له النَّارُ، ومن عمل سيِّئةً جُزِي بها، ومن أراد أن يعملَ حسنةً فلم يعملْها جُزي مثلَها، ومن عمل حسنةً جُزي عشرًا، ومن أنفق مالَه في سبيلِ اللهِ ضُعِّفت له نفقتُه الدِّرهمُ بسبعِمائةٍ والدِّينارُ بسبعِمائةٍ، والصِّيامُ للهِ عزَّ وجلَّ لا يعلمُ ثوابَ عاملِه إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ)) [4] .. 

 

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: أَسْنَدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِي، فَقَالَ: ((مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَلَّى صَلاةً ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)) [5] ..

 

 

وعن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ آخُذُهُ عَنْكَ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ )) [6] ..

 

 

وعن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: ((مَن صامَ يَوْمًا في سَبيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)) [7] .. 

 

وعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صام يومًا في سبيلِ اللهِ بعدُت منه النَّارُ مسيرةَ مائةِ عامٍ)) [8] ..

 

وقد ورد في صيام رمضان خاصة من الفضل ما هو به جدير؛ فقد جاء فيه عن البشير النذير قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) [9] ..

 

 

و عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " ((احْضَرُوا الْمِنْبَرَ، فَحَضَرْنَا فَلَمَّا ارْتَقَى دَرَجَةً قَالَ: " آمِينَ " ، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّانِيَةَ قَالَ : " آمِينَ " فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّالِثَةَ قَالَ : " آمِينَ " ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ سَمِعْنَا مِنْكَ الْيَوْمَ شَيْئًا مَا كُنَّا نَسْمَعُهُ، قَالَ: " إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَرَضَ لِي فَقَالَ: بُعْدًا لِمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، قُلْتُ: آمِينَ، فَلَمَّا رَقِيتُ الثَّانِيَة، قَالَ: بُعْدًا لِمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، قُلْتُ: آمِينَ، فَلَمَّا رَقِيتُ الثَّالِثَةَ، قَالَ: بُعْدًا لِمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ عِنْدَهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: آمِينَ)) [10] ..

 

 

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

((أُعطيت أمتي في شهرِ رمضانَ خمسًا لم يُعطهنَّ نبيٌّ قبلي: أما واحدةٌ: فإنه إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ، نظر اللهُ عزَّ وجلَّ إليهم، ومن نظر اللهُ إليه لم يعذبْه أبدًا، وأما الثانيةُ: فإنَّ خَلوفَ أفواهِهم حين يمُسون أطيبُ عند اللهِ من ريحِ المسكِ، وأما الثالثةُ: فإنَّ الملائكةَ تستغفرُ لهم في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وأما الرَّابعةُ: فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يأمرُ جنتَه فيقولُ لها: استعدي وتزيني لعبادي، أوشك أنْ يستريحوا من تعبِ الدنيا إلى داري وكرامتي، وأما الخامسةُ: فإنه إذا كان آخرُ ليلةٍ غُفر لهم جميعًا، فقال رجلٌ من القومِ: أهي ليلةُ القدرِ؟ فقال: لا ألم تر إلى العمالِ يعملون، فإذا فرغوا من أعمالهم، وُفُّوا أجورَهم؟))[11] ..

 

 

 

وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا جاء رمضان بشّر أصحابه قائلاً:

((أتاكم شهرُ رمضانَ، شهرٌ مبارَكٌ، فرض اللهُ عليكم صيامَ ، تُفتحُ فيه أبوابُ الجنَّةِ، و تُغلَق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ)) [12] ..

 

 

لقد جاءت آيات الصيام في شهر قُرآني مُشبعٌ بالرّحمات يهبُّ عليه، وتخللته نسمات تحمل في ثناياها قطرات النَّدى، مُعطرة بأعراف الجنة، والصائم في هذا الجو ينساب في أخلاق أرق من النسيم، وأنضر من صفحة الروض الوسيم ..

 

 

 

إن الصيام لما كان تهذيباً للدوافع الفطرية من مأكل ومشرب فإن رحمات الله تبارك وتعالى قد أحاطت بالصائمين من كل مكان؛ لذا جاءت آيات الصيام، وفي ثناياها تخفيفات ربّانية كريمة، جاء التخفيف الأول في صيغة الخطاب للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، وبالإيمان يُصبح كل شيء ميسوراً؛ فالإيمان إذا باشرت بشاشته شغاف القلوب يكاد يجعل المستحيل مُمكناً، والملح الأُجاج عذباً فُراتاً سلسبيلاً، ومن ثَمَّ فإنَّ المؤمن يسمع نداء الحق تبارك وتعالى، ولسانه يلهج بالثناء على الله (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، وكأنه يقول:

 

 

رضاك خيرٌ من الدنيا وما فيها  *** يا مالكَ النّفس قاصيها ودانيها

فليس للنّفس آمالٌ تُحققها  *** سوى رضاك فذا أقصى أمانيها

فنظرة منك يا سُؤلي و يا أملي *** خيرٌ إليّ من الدنيا وما فيها

 

 

وكيف لا يستقبل المؤمن خطاب ربه بنفس مُفعمة بالرّضا جياشة بالطُمأنينة، وهو دائماً يقرأ قول الله تبارك اسمه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) [سورة الأنفال: 20-21] ..

 

 

إنّ المؤمنين يأتون ما أتوا من الطَّاعات، وقُلوبهم وجلة، أنَّهم إلى ربهم راجعون، ولسان حال الواحد منهم يقول لربه:

لمّا علمتُ بأن قلبي فارغ *** ممن سواك ملأته بهُداك

وملأت كُلّي منك حتى لم أدع *** مني مكاناً خالياً لسواك

 

 

ويأتي التخفيف الثاني، مُتمثلاً في قول الباري جلّ شأنه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)، فما دام الذي كَتَبَ  هذا هو أرحم الرّاحمين وأحكم الحاكمين، فلتستقبل النفوس الواثقة هذا المكتوب بكرم وسعادة ولسان الحال يقول: شُعاعٌ من رضاك يُطفئ غضب مُلوك أهل الأرض، ولمحة من غضبك تُزهق الروح، ولو انغمست في نعيم الدنيا ..