مسائل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام – (3) – من كتاب (زاد المعاد) للإمام ابن القيم (رحمه الله) ..

مسائل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام – (3) – من كتاب (زاد المعاد) للإمام ابن القيم (رحمه الله) ..

 
 

مسائل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام – (3) – من كتاب (زاد المعاد) للإمام ابن القيم (رحمه الله) ..

 
لا حرج في اغتسال الجُنب بعد الفجر، وفي تقبيل أزواجه وهو صائم:

* - وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يُدركه الفجر وهو جُنب من أهله ، فيغتسل بعد الفجر ويصوم ..

* - وكان يُقبل بعض أزواجه وهو صائم في رمضان ، وشَّبَّه قُبلة الصائم بالمضمضة بالماء ..

 

* - ولا يصح عنه صلى الله عليه وسلم التفريق بين الشاب والشيخ في -القُبلة أو المُباشرة -  ولم يجئ من وجه يثبت ..  وَأجود ما فيه حديث أبي داود عن نصر بن علي عن أبي أحمد الزبيري: حدثنا إسرائيل عن أبي العنبس عن الأغر عن أبي هريرة رضي الله عنه : ((أَنّ رَجُلًا سَأَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصّائِمِ ، فَرَخّصَ لَهُ ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ ، فَإِذَا الّذِي رَخّصَ لَهُ شَيْخٌ ، وَإِذَا الّذِي نَهَاهُ شَابّ)) ..

 

وإسرائيل؛ وإن كان البخاري ومسلم قد احتجا به وبقية الستة ، فَعِلَّةُ هذا الحديث: أنَّ بينه وبين الأَغَرّ فيه أَبَا الْعَنْبَسِ الْعَدَوِيّ الْكُوفِيّ؛ واسمه: الحارث بن عُبيد: سكتوا عنه. [قال الشيخان عبد القادر وشُعيب الأرناؤوط مُحققا كتاب زاد المعاد: أخرجه أبو داوود في سننه ؛برقم: (2387) وسنده حسن، وأخرج مالك في الموطأ (ج1/ص293) عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((سُئل عن القُبلة للصائم: فرَّخَّص فيها للشيخ، وكرهها للشاب))، وإسناده صحيح)] ..

 

صحة صيام من أكل أو شرب ناسياً:  

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إسقاط القضاء عمَّن أكل وشرب ناسياً ، وأنَّ الله سبحانه هو الذي أطعمه وسقاه ، فليس هذا الأكل والشُّرب يُضاف إليه ، فيفطر به ، فإنَّما يفطر بما فعله ، وهذا بمنزلة أَكْلِهِ وشُربه في نومه ، إذْ لا تكليف بفعل النَّائم ، ولا بفعل الناسي ..

 

المُفَطِّرات التي تكون سبباً في إطار الصائم:

والذي صح عنه صلى الله عليه وسلم أن الذي يَفْطُر به الصائم: الأكل والشرب ، والحجامة ، والقيء: والقُرآن دالٌّ على أنَّ الجماع مُفَطِّرٌ كالأكل والشُّرب ، لا يُعرف فيه خلاف .. ولا يصحُّ عنه في الكُحل شيء ..

 

* - فائدة مُهمة في التعليق على حُكم ((الحجامة)):

فقد اختلف الفقهاء –رحمهم الله ورضي عنهم- في الحجامة هل تُفَطّر الصائم أم لا؟ ..  على قولين مشهورين:

القول الأول: أنها تُفَطِّر الصائم، وإليه ذهب الحنابلة، وجماعة من السلف. واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)) [رواه أبو داود (2367) وابن ماجه (1679)] .. وهذا القول اختاره الإمام ابن القيم رحمه الله ..

 و القول الثاني: أنها لا تُفَطِّر الصائم؛ وإليه ذهب جمهور الفقهاء، وهو الراجح؛ فجمهور الفقهاء على أن الحجامة لا تُفسِد الصوم؛ لأن الفطر مما دَخَل لا مِمَّا خرج، وهذا ضابط أغلبي، ومثلُ الحجامة في الحكم نقل الدم؛ فإنه لا يُؤثِّر على صحة الصوم، لكن بشرط أن يأمن الصائم على نفسه الضعف والضرر ..

 

 قال الإمام الحافظ ابن حجر في فتح الباري: في ‏تعليقه على حديث: ((احْتَجَمَ وهو مُحرم، واحْتَجَمَ وهُو صَائم)). قال: (قال ابن عبد البر ‏وغيره: فيه دليل على أن حديث: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ))، منسوخ؛ لأنَّه جاء في بعض ‏طُرقه أنَّ ذلك كان في حَجَّة الوداع، وسبق إلى ذلك الشافعي) ..

 

ومن أهل العلم من أوَّلَ: "أفطر الحاجم والمحجوم" بأن المراد تسبباً في الفطر، هذا بسبب ‏مصه للدم الذي قد يصل منه شيء إلى حلقه، والآخر بسبب إضعاف نفسه إضعافاً ينشأ ‏عنه اضطراره إلى الفطر ..‏

ولعل الصواب في المسألة هو: أن الأَوْلى لمن تُضعفه الحجامة أن يُؤخر الحجامة إلى اللَّيل، ‏لأنَّه قد يضطر إلى الفطر بسببها. ففي موطأ مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أنَّه احتجم وهُو صَائم ، ثم ‏تَرك ذلك ، وكان إذا صام لم يحتجم حتى يُفطر))، وعن الزُّهري: ((كان ابن عمر يَحْتًجِم ‏وهُو صَائم في رَمضَان وغَيره، ثُمَّ ترَكَهُ لأَجل الضَّعْف)) .. والحديث وصله عبد الرَّزاق عن ‏مَعْمَر عن الزُّهْري عن سالم عن أبيه، هكذا ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري ، والله تعالى أعلى وأعلم ..‏

 

* - فائدة مُهمة في التعليق على حُكم ((القيء)):

 

والقيءُ يُعتبر من المُفطِّرات التي يفطر بسببها الصائم؛ هذا إذا استقاء عمداً، أمَّا إذا غلبه القيء؛ فلا يُعدُّ مُفطِراً؛ فقد [أخرج الترمذي (720)، وأبو داوود (2380)، وابن ماجة (1676)، والدارقُطني (ص: 240)] من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: ((من ذرعه القيءُ - (أي غلبه) -: فليس عليه قضاء ؛ ومن استقاء عمداً: فليقض)) أي الصيام – والحديث سنده صحيح، وقد صححه الإمام ابن خُزيمة (1960) وغيره،  والله تعالى أعلى وأعلم ..

 

 

 الأشياء التي لا تُفَطِّر:

* - السّواك: فقد صِحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أَنّهُ : ((كَانَ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ)) ..

*  - الاستحمام أو الاغتسال: وذكر الإمام أحمد عنه صلى الله عليه وسلم أَنّهُ : ((كَانَ يَصُبّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ)).. 

* - المضمضمة والاستنشاق بغير مُبالغة: وكان صلى الله عليه وسلم يتمضمض ، ويستنشق وهو صائم ، ومنع الصائم من المبالغة في الاستنشاق ..

 

الاكتحال للصائم:

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه اكتحل وهو صائم ..

 

* - فائدة في حُكم الكُحل للصائم في نهار رمضان:

- فإن مجرد الاكتحال الذي لم يصحبه وجود طعم أو لون للكُحل في حلق الصائم لا يُبطل الصوم، فرضاً كان أو نفلاً، وهذا محل اتفاق ..
- أما إذا وصل طعم أو لون الكُحل إلى الحلق، فإنَّ من العلماء من يقول ببطلان الصوم لذلك، لكن الصحيح أنَّه لا يُبطل الصوم، ولا يُؤثر عليه، لأنَّه ليس بأكل ولا شُرب، ولا في معناهما، وهذا هو اختيار طائفة من المحققين، والله أعلم بالصواب ..

 

* - للموضوع -صلة وتكملة- بمشيئة الله تعالى ..