(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .. عن الصيام والتقوى (1- 2)؛ بقلم: د. حمدي أبو سعيد

(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .. عن الصيام والتقوى (1- 2)؛ بقلم: د. حمدي أبو سعيد

(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .. عن الصيام والتقوى (1- 2)؛ بقلم: د. حمدي أبو سعيد

 

العبادات في دين الإسلام العظيم شُرعت لتحقيق غاياتٍ ومقاصد وأهداف سامية؛ فهي ليست مقصودة لذاتها، وإنما وُجدت وشرعها الله سُبحانه وتعالى لتحقيق هذه الغايات؛ وإنَّ من أجَلِّ هذه الغايات والمقاصد والأهداف العظيمة المرتبطة بالعبادات: تحقيق (تقوى الله سُبحانه وتعالى) في حياة المسلم؛ ليعيش المسلم حياته في دائرتها، ينعم بخيراتها وثمراتها وبركاتها؛ ولو ما أنزل الله سُبحانه وتعالى على عباده من القُرآن العظيم في فضيلة التَّقوى وثمرتها إلاَّ هذه الآية الكريمة لكفتهم؛ واقرأ واستمتع معي بالتنزيل المبارك؛ إذ يقول الحقُّ سُبحانه وتعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).[الأعراف: (96)]؛ وقد أكَّد القُرآن العظيم على أنَّ الغاية من العبادات هي تحقيق تقوى الله سُبحانه وتعالى؛ فقال جلَّ شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.[البقرة: (21)] ..

 

 والتقوى إذا امتَّن الله بها على عبده المُسلم فسكنت شِغاف قلبه، وتمكَّنت من نَّفسه حتى أصبحت حياته كُلَّها على تقوى من الله؛ حصل له كل خير وبركة وسعادة وفلاح في الدُّنيا والآخرة، وإن فاتته فاته خير كثير، وصارت عبادته لربِّه تبارك وتعالى خاوية لا رُوح فيها ولا حياة، وليس لها ثمرة، ولا يُرجى من ورائها فتح ولا بركة؛ لأن "التَّقوى هي حياة الأعمال والعبادات وروح الطاعات والقُرُبات التي يتقرَّبُ بها المسلم إلى ربِّ الأرض والسَّموات؛ لذا تكرر في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، حتى أنها وردت بنصِّها وتصريفاتها ومعانيها المختلفة في أكثر من (مئتي آية) كريمة؛ وفي هذا دِلالة واضحة على فضيلة التَّقوى وأهمِّيتها؛ وأنَّها الغاية العُليا والثَّمرة المرجُوَّة لعبادة الله سُبحانه وتعالى وطاعته ..

 

والتَّقوى كنز عظيم، وجوهرة غالية، ودُرَّةٌ ثمينة؛ ففيها خيري الدُّنيا والآخرة؛ بل إنَّ خيريَ الدُّنيا والآخرة مجموع فيها، والتَّقْوى جعلها الله جلَّ وعلا خير الزاد لعباده؛ فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.[البقرة: (197])]؛ كما أنَّ قبول الأعمال مُرتبط بها ومُعَلَّقٌ بحبالها؛ قال الله جلّ في عُلاه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.[المائدة: (27)]؛ والتَّقْوى سببُ الغُفران من الذُّنوب والسَّبيل إلى تنقية البواطن والقلوب، وتحصيل الثواب من الله علاَّمُ الغُيُوب القائل سُبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾.[الطلاق: (5)]. وأنَّ أهل التقوى هم الأعْلَوْن في الدنيا والآخرة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.[القصص: (83)] ..

 

وقد وصف الله جلّ وعلا حال المتقين من عباده، وأنهم أهل خشية الله والخوف من عذابه؛ فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾.[الأنبياء: (48 - 49)] ..

فإذا كانت التَّقوى على هذا القدر الكبير من المكانة العالية والمنزلة الرفيعة السَّامية؛ حيث شرعت العبادة لتحقيقها، كان على المسلم الصادق المُحبّ الذي يرجُو رحمة الله وثوابه وغُفرانه أنْ يعلم أنّ طريق التَّقْوى يحتاج إلى تربية عالية وتهيئة غالية وهمَّة تُلامس في عليائها عنان السَّماء، وبذل وعطاء سخي وتضحية وصبر جميل نقيّ؛ لذا جاء خطاب التَّقوى مقروناً بالصَّبر في كثير من النصوص كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.[آل عمران: (200)]، وقوله جلَّ شأنه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.[يوسف: (90)]، وقوله سُبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.[آل عمران: (125)]، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.[آل عمران: (186)] ..

 

بين الصيام والتَّقوى:

وارتباط الصِّيام بالتقوى ارتباطاً وثيقاً؛ فالصيام معناه الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفَطَّرَات من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، وهو بهذا المعنى صبر على طاعة الله جلّ وعلا، كما أنَّه وقاية؛ يقي صاحبة من الوقوع في المعاصي التي تخدش الصيام وتؤثر عليه، وفي الحديث الشريف: ((الصيام جُنّة))، أي وقاية، والتَّقْوى من الوقاية، وهي ما يحمي به الإنسان نفسه، و وقاه الله السُّوء وقاية، أي حِفْظِه ..

 

وقد تعددت عبارات العلماء والصالحين في بيان معناها:

- فقال أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لكَعب الأحبَار: حدثني عن التقوى؟ فقال: "هل أخذت طريقاً ذا شوك؟، قال: نعم. قال فما عملت فيه؟ قال: حذرت وشمرت: قال كعب: ذلك التقوى". [تفسير البغوي: (ج1/ص60)] ..

- وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-: "التقوى هي: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقَناعة بالقليل، والاستِعداد للرحيل" ..

 

- و من المعاني الحسنة للتَّقْوى ما ذكره الإمام أبو بكر بن أبي شَيْبَة –رحمه الله- عن عاصمٍ، قال: قُلنا لطَلْق بن حبيب –رحمه الله-: صِفْ لنا التقوى؟، فقال: "التقوى عملٌ بطاعة الله، رجاءَ رحمةِ الله، على نورٍ من الله، وترك معصية الله، مخافةَ الله، على نورٍ من الله". [الإيمان؛ لأبي بكر بن أبي شيبة –رحمه الله- (ص35)] ..

 

- ومن المعاني الجميلة الرائعة للتقوى ما ذكره صاحب الظلال رحمه الله: "فالتقوى .. حساسية في الضَّمير، وشفافية في الشُّعور، وخشية مُستمرة، وحذر دائم، وتوق لأشواك الطريق .. طريق الحياة .. الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات، وأشواك المطامع والمطامح، وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابة رجاء، والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعاً ولا ضراً". [في ظلال القرآن: (ج1/ ص39)] ..

 

 

ثًمَّ  لماذا ارتبط الصِّيام دُون غيره من العبادات بالتقوى؟

فعلى الرَّغم من أنَّ الغاية من أداء العبادات هي تقوى الله جلّ وعلا، إلَّا أنّ الصيام قد ارتبط دُون غيره بالتَّقْوى؛ كما قال الله -جلّ وعلا- في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.[البقرة: (183)]؛ وقد جاءت الآية الكريمة بياناً واضحاً وتأكيداً على ارتباط الصِّيام بالتَّقوى، وأنَّ التقوى هي الغاية من الصيام ..

 و رمضان هو شهر الصَّبر، وتربية النَّفس على الأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة، والصَّبر هو طريق الموصل إلى التقوى؛ فقد سماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهر الصَّبر؛ ففي مُسند الإمام أحمد من حديث سيدنا عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما- أنَّ النبي الحبيب -صلى الله عليه وسلم- قال: ((صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؛ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ)).[مسند أحمد؛ برقم: (22965)، بسند صحيح]؛ ومعنى: ((وَحَرَ الصَّدْرِ)): أي: "وساوس الشيطان، وما يُصيب قلب الإنسان من غيظ و كَدر" ..

 

وقد فَسَّر مُجاهد –رحمه الله- ﴿الصَّبْر﴾ بالصيام، ونقله عنه إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري –رحمه الله- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.[البقرة: (45)]؛ وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.[البقرة: (153)]، وقد عبَّر الشَّرع عن الصَّوم بالصَّبر؛ لأنَّ الصبر هو طريق التقوى ..

ولأنَّنا كذلك بالصيام نتَّقِي المعاصي والذنوب؛ لأنَّ امتِلاء البطْن بالطعام والشراب رأْس البَواعِث على الفَحشاء والمنكَر، ومعلومٌ أنَّ الجائِع العَطشان لا يجد في نفسه من أَثَرِ الشهوات ما يجد الممتَلِئ؛ ولذا قال إبراهيم بن أدهم –رحمه الله-: (الجوع يَرِقُ القلب)، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبى هُريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((الصِّيَامُ جُنَّة)).[صحيح مُسلم؛ برقم: (1151)]؛ أي: وقاية تُتَّقى به الوقوع في المعاصي والآفات من الغيبة والنميمة والسب والشتم وغيرها من الآثام التي تُنافي الصيام ..

 

* - "وهكذا تَبرُز الغاية الكبيرة من الصَّوْم، إنَّها التقوى، فالتَّقوى هي التي تستَيقِظ في القلوب وهي تُؤدِّي هذه الفريضة؛ طاعةً لله، وإيثارًا لرضاه، والتَّقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، ولو تلك التي تهجس في البال، والمخاطَبون بهذا القُرآن يَعلَمون مقام التقوى عند الله سُبحانه وتعالى، ووزنها في ميزانه؛ فهي غايةٌ تتطلَّع إليها أرواحُهم، وهذا الصَّوم أداةٌ من أدواتها، وطريقٌ مُوصل إليها، ومن ثَمَّ يرفَعُها السِّياق أمامَ عُيونهم هدفًا وضيئًا يتَّجِهون إليه عن طريق الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾". [في ظلال القرآن: (ج1/ص 140)] ..

والتَّقوى هي عمل قلبي تظهر آثاره على الجوارح؛ فإذا كان القلب مُمتلئاً بالإيمان انزجرت الجوارح عن العصيان، وإذا وقع فيها نزعَ سريعاً: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: (201)]؛ وإذا كان القلب لاهياً عبثت الجوارح ورتعت في أودية الضلال والسَّفه؛ ولذلك قال نبينا الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: ((أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ.. أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ)).[صحيح البخاري؛ برقم: (52)] ..

 

جعلنا الله وإياكم من المتقين، ونفعنا وإياكم بشهر التقوى والقرآن وبما فيه من الطاعات والخير الكثير، وأسأل الله جلّ في عُلاه أن يجعله شهر خير ونصر وعز للإسلام والمسلمين، وأن يُعيده علينا وعليكم وعلى أمة الإسلام بالخير واليُمن والنصر والسعادة والبركات، وتقبل الله منَّا ومنكم الصيام والقيام والقرآن وصالح الأعمال ..

________________________________

  • - للمقال -صلة وتكملة – بمشيئة الله تعالى
  • - بقلم: د. حمدي أبو سعيد