الصوم: حقيقته، وتاريخه - (3) – بقلم عالم الاجتماع، الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي (رحمه الله) ..

الصوم: حقيقته، وتاريخه - (3) – بقلم عالم الاجتماع، الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي (رحمه الله) ..

الصوم: حقيقته، وتاريخه - (3) – بقلم عالم الاجتماع، الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي (رحمه الله) ..

 

5 - تعليل الصوم ذي المواقيت المرتبطة بأحداث اجتماعية:

ينتظم الصيام ذو المواقيت الدورية - كما يظهر ذلك ممَّا سبق - مجموعتين مختلفتين؛ إحداهما: أنواع ترتبط مواقيتها بأحداث اجتماعية وقعت فيها، وثانيتهما: أنواع لا تتصل مواقيتها بأحداث اجتماعية، وإنما ترتبط بظواهر فلكية خاصة ..

 

أمَّا الأنواع التي ترتبط بأحداث اجتماعية وقعت فيها - وهي أهم أنواع هذا الصيام، وأكثرها انتشارًا، وأعظمها خطرًا - فيرجع السبب في نشأتها إلى حرص المجتمع على تخليد هذه الأحداث، وتجديد ذكرياتها في النُّفوس، وجعلها ماثلة في أذهان الأفراد، وبالجملة يرجع إلى حرصه على تسجيل تاريخه وإحياء أيامه البارزة..

 

وتتحقق هذه الأغراض الاجتماعية فيما جاءت به الديانات السماوية نفسها من هذا النوع، غير أنَّ حكمة التشريع في هذه الديانات كثيرًا ما تكون أوسع نطاقًا من ذلك، وقد تتجه أحيانًا اتجاهًا آخر ..

 

6 - تعليل الصوم ذي المواقيت المرتبطة بظواهر فلكية:

وأمَّا الأنواع الأخرى من هذا الصيام الدوري، وهي التي لا تتصل بأحداث اجتماعية، وإنما ترتبط بظواهر فلكية خاصة، فقد اختلفت آراء العلماء اختلافًا كبيرًا في تعليلها وتوضيح نشأتها، فمنهم من يرى: أنَّها مظهر من مظاهر عبادة الكواكب، وأنَّ نشأتها الأولى في المجتمعات الإنسانية ترجع إلى رغبة النَّاس في الظهور بمظهر الضعف والمسكنة والذلة والخشوع أمام الكواكب المقدسة عند بلوغها في سيرها منزلة ذات تأثير يقيني، أو معتقد في حياة الحيوان، أو النبات، أو الطبيعة ..

 

فهذا النوع من الصوم لا يختلف في نظر أصحاب هذا الرأي عن الصلاة التي يُقيمها عُباد الشمس عند شُروقها أو زوالها أو غروبها: كلاهما رمز إلى ضعف العابد وذُلِه، وعظمة المعبود وجلاله، وكلاهما يحدث في أوقات تتجلى فيها قُدرة المعبود، وتظهر آثاره في حياة العابد، وكلاهما يتضمن اشتراك الجسم في التعبير عمَّا يُريد العابد أن يظهر به من صفات الاستكانة والخضوع، وكل ما بينهما من فَرْق أنَّ الصلاة تُعبِّر عن ذلك بتقصير الجسم في الركوع، والعمل على تلاشيه ومُساواته بالرِّغام في السجود، على حين أنَّ الصوم يُعبر عن ذلك بطريق إضعافه وحرمانه من بعض ما يحتاج إليه ..

 

 

ومنهم من يرى: أنَّ نشأة هذه الأنواع من الصيام، يرجع السبب فيها إلى خوف الإنسان في مراحله الدينية الأولى من بعض ظواهر فلكية، واعتقاده أنها نذير نحس، وحرصه على أن يتقي شَرَّها بالكفِّ في أثناء حدوثها عن كل ما يُمكن أن يكون مصدر مكروه؛ كالطعام والشراب ..

 

وقد ظهر للقائلين بهذا الرأي من دراستهم لمجموعة المعتقدات التي كان يدين بها مُعظم الأمم السابق ذكرها أنَّ صيام كل منها كان يقع في الأوقات التي اشتهر عندهم في جميع عصورها، أو في بعضها أنها أوقات نحس، ويرون في شرائع البوذيين على الأخص أوضح دليل على صدق ما يذهبون إليه؛ فقد تقدم أنَّ أيام الصيام عند البوذيين لا يجب فيها الكف عن الطعام والشراب فحسب، بل يجب فيها كذلك الكف عن مزاولة أي عمل، وما ذاك إلا لشدة اعتقادهم في نحسها، ومُبالغتهم في الحرص على اتقاء شرها، بإحجامهم عن كُلِّ ما يمكن أن ينجم عنه مكروه ..

 

وغنيٌّ عن البيان أنَّ هذه الآراء، وما إليها لا يُمكن أن يصدق شيء منها إلاَّ على شرائع المجوس والوثنيين والصابئين والمانوية ومن إليه ..

 

 

أمَّا ما جاءت به شرائع التوحيد من صيام - وإن بدا في ظاهره مُتَّصلًا بسير الأفلاك ومنازلها - فتتعالى أغراضه في الحقيقة عن هذه الأمور عُلُوًّا كبيرًا، كما سيظهر لنا في الفقرات التالية:

 

7 - مُحاولات باطلة لرد الصِّيَّام ذي المواقيت عند المسلمين إلى نظيره عند الصائبة والمانويين:

حاول كثير مِمَن في قلوبهم مرض، وممن وقفوا جهودهم على النَّيْل من الإسلام والكيد له تحت ستار البحوث التاريخية والتحقيقات الاجتماعية: أن يرجعوا أنواع الصيام الدَّورية عند المسلمين إلى نظائرها عند الصابئة والمانويين، وعلى الأخص (صيام رمضان) عندنا إلى صيام الثلاثين عندهم، كما حاولوا رجع صلواتنا إلى صلواتهم، فزعموا أن محمدًا عليه الصلاة والسلام قد نقل عن هاتين الشريعتين مُعظم ما جاء به من صلاة وصوم، وأنَّه كان أمينًا في النَّقل، فلم يُغير شيئًا من أوقات هذه العبادات وتواريخها، وأنَّ كل ما عمله أنه جعلها لوجه الله بعد أن كانت تُؤَدَّى للشمس والقمر وغيرهما من الكواكب، وأن هذا القناع لم يَسْتُر شيئًا من حقيقتها؛ فإن الأوقات التي شرعها فيها، واتصال هذه الأوقات بحركات الشمس والقمر والكواكب كل أولئك ينُمُّ على الأصول التي استمدت منها، وقد ذهب بعضهم إلى أبعد من هذا، فزعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يجهل - إذ نقل هذه العبادات - أنَّ الصابئة والمانوية يقصدون منها تقديس الكواكب، وأنَّه لو كان يعلم ذلك ما جاء بها؛ لتعارضها مع شريعة التوحيد التي أسس عليها دعوته ..

 

ومن هؤلاء (الدكتور جاكوب)؛ فقد قرر في رسالة كتبها في موضوع (صيام رمضان)، بعد تحقيقات حسابية طويلة ومُوازنات بين التواريخ العربي والميلادي والبابلي، أنَّ أول سنة شُرِع فيها صيام رمضان، وهي سنة 623 ميلادية، كان أول يوم من رمضانها يُوافق الثامن من شهر آذار؛ أي: إنَّ أول رمضان صامه المسلمون كان مُوافقًا في مبدئه ونهايته لتاريخ صيام الحرَّانيين (فقد قلنا: إنهم كانوا يصومون ثلاثين يومًا تبدأ من الثامن من شهر آذار)، وأنَّ في هذا أقطع دليل على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد نقل صومه عن شريعة الصابئين ..

 

وذهب (الأستاذ وسترمارك) إلى ما يقرب من هذا الرأي مع شيء من الاعتدال والحذر في التعبير؛ إذ يقول: (إن وجوه الشبه بين صيام رمضان وصيام الحرَّانيين والمانوية لبالغة من الوضوح مبلغًا يحمل الباحث على أن ينظر إلى هذه الأنواع الثلاثة من الصيام نظرته إلى ثلاث شُعب متفرعة عن أصل واحد؛ فلا مشاحة إذًا في أنَّ محمدًا –صلى الله عليه وسلم- قد نقل صيامه عن الحرَّانيين أو المانوية، أو عنهما معًا) ..

 

وهذه لَعَمْرِي شَنشنة عرفناها عن مُعظم من تصدى من الفرنجة لبحث عقائد الدين الإسلامي وشعائره، فتراهم، قبل أن يفهموا الموضوع الإسلامي الذي يتصدَّوْن لدراسته حق الفهم، يُوجهون همهم إلى البحث عن نظير له في الشرائع الأخرى، ولا يكادون يعثرون عليه حتى يُوحي إليهم تعصبهم أنَّه لا بد أن يكون هذا منقولًا عن ذاك، ثم لا تعوزهم الحيل والمنافذ التاريخية لإلباس أهوائهم ثوب الحقائق ..

_______________

* - المقال بقلم: عالم الاجتماع الكبير، الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي (رحمه الله) ..

* - وقد نُشر في [مجلة (حضارة الإسلام)، العدد السابع، السنة الثالثة (رمضان 1382 هـ - شُباط (فبراير) 1963م)] ..