الصوم: حقيقته، وتاريخه - (4) – بقلم عالم الاجتماع، الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي (رحمه الله) ..

الصوم: حقيقته، وتاريخه - (4) – بقلم عالم الاجتماع، الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي (رحمه الله) ..

الصوم: حقيقته، وتاريخه - (4) – بقلم عالم الاجتماع، الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي (رحمه الله) ..

 

ومع أنَّ المقام لا يتسع لرد مُفصل على ما زعموه بصدد صيام رمضان، لا نرى مندوحة عن الإشارة إلى بعض أمور أعماهم تعصبهم عن النظر إليها، وهي خليقة أن تُقوِّض مزاعمهم رأسًا على عقب، وهذه الأمور هي:

 

أولًا:-  لم يُعرَف أنَّه قد حدث في الجاهلية اتصال فكري أو ديني كبير بين قريش التي نشأ فيها الرسول وبين الصابئة أو المانوية، وقد حال دون هذا الاتصال أمور كثيرة، منها اختلاف اللغة والخط والثقافة والحضارة، ومنها بُعد المسافة بين منازل هؤلاء وأولئك؛ فقد كانت بلاد الصابئين والمانوية في حدود فارس من الغرب، على حين أنَّ القُرشيين كانوا يقطنون الحجاز والمواطن المتاخمة له، وكانت أسفارهم التجارية لا تتجاوز طريقي الشام واليمن، يسلكون أحدهما في رحلة الشتاء، والآخر في رحلة الصيف، ولم يُعرَف عن الرسول عليه الصلاة والسَّلام أنَّه اتصل قبل بعثته بالصابئين والمانوية، أو احتك بثقافتهما الدينية، أو عُنِي بدراسة شرائعهم، أو وقف على شيء منها، وظلَّ هذا حاله إلى ما بعد رسالته بأمد غير قصير ..

 

ثانيًا:- أن صوم رمضان يختلف اختلافًا جوهريًّا في شروطه وقواعده ومقاصده ووقته وشكل أدائه وحكمة تشريعه عن صوم الثلاثين عند الصابئين والمانوية؛ فليس بينهما من وجوه الشَّبَهِ إلا الاتفاق في عدد الأيام وتتابعها، وهذه ناحية شكلية من التعسُّف اتخاذُها دليلًا على أنَّ أحدهما منقول عن الآخر، على أنَّهما في هذه الناحية نفسها يختلفان اختلافًا غير يسير؛ فالصيام الإسلامي مدته شهر عربي، على حين أنَّ صيام الصابئين والمانوية مدته ثلاثون يومًا، مبدؤها الثامن من الشهر ..

 

والصيام الإسلامي يبتدئ بابتداء الشهر وينتهي بانتهائه، أما صيامهم فيبدأ من الثامن من الشهر، ولا ينتهي إلاَّ في الشهر التالي له ..

 

ثالثًا:- أن اختيار رمضان بالذات ليس سببه اتفاق مبدئه في أول عام شرع فيه الصوم مع مبدأ صيام الصابئين، كما ذهب إلى ذلك (جاكوب)، وإنَّما سببه - كما صرَّح بذلك الكتاب العزيز، وكما يدل البحث التاريخي المجرد من الهوى - أنَّه الشهر الذي أنزل فيه القرآن؛ فلا غروَ أن اختصه الله بهذه المزية من بين سائر الشهور ..

 

رابعًا:-  هذا إلى أنَّ القرآن الكريم ينص على أنَّ ما سن لنا من الشرائع قد سن مثله لكثير من الأمم قبلنا؛ قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ...الآية) [سورة الشورى:13]، وقال عزَّ وجل في صيام رمضان نفسه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ... ) [سورة البقرة: 183]، فمن الممكن إذًا أنّ يكون صيام الثلاثين عند الصابئين والمانوية مُستمدًّا في الأصل من شريعة سماوية تَقادم عليها العهد فدخلها التحريف والتبديل، وبعُدت عن غايتها الأولى، وصبغت بصبغة التقديس للكواكب، وأنَّ الدين الإسلامي قد كتب الصوم الذي كتبته هذه الشريعة فأحياها طاهرة، وقضى على كل ما علق بها من أدران الشرك، وما قيل في صيام رمضان يُقال مثله في بقية أنواع الصيام الدورية، وفي جميع أنواع الصلاة عند المسلمين ..

 

وقد ذهب بعض المؤرخين من المسلمين وغيرهم إلى أنَّ صيام رمضان كان مُنتشرًا عند بعض قبائل العرب في الجاهلية، ولا سِيَّما قُريش ..

 

ويُؤيدون رأيهم هذا بأنَّ النَّبي عليه الصلاة والسلام نفسه كان قبل بعثته يقضي في غار حراء شهر رمضان من كل عام مُتحنِّثًا صائمًا، وقد اختلفوا في أصل هذا التشريع، فمنهم من يرى أنَّه من الشرائع التي جاء بها إبراهيم عليه السلام، ويُستدل على ذلك بأنَّ الذين ثبت أداؤهم لهذه الشعيرة في الجاهلية كانوا من المعروفين باتباعهم لملة إبراهيم عليه السلام، ومنهم من يرى أن عبد المطلب جدَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان أول مَن سن هذا الصيام وعمل به، وقد أخذ بهذا الرأي (الأستاذ موير) في كتابه عن (حياة محمد) –صلى الله عليه وسلم- ..

 

ولكن لم يثبت بعدُ شيءٌ من هذا كُله بالدليل القاطع، على أنَّه لا يضيرُ الدينَ الإسلامي في شيء - كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق - أن يكون صيام رمضان مُتبعًا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد ثبت أن الشريعة المحمدية أقرت كثيرًا من عادات العرب وشعائرهم ..

_______________

* - المقال بقلم: عالم الاجتماع الكبير، الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي (رحمه الله) ..

* - وقد نُشر في [مجلة (حضارة الإسلام)، العدد السابع، السنة الثالثة (رمضان 1382 هـ - شُباط (فبراير) 1963م)] .