تفسير آيات الصيام من كتاب (زهرة التفاسير) –(2)؛ للإمام العلاَّمة محمد أبو زهرة (رحمه الله) ..

تفسير آيات الصيام من كتاب (زهرة التفاسير) –(2)؛ للإمام العلاَّمة محمد أبو زهرة (رحمه الله) ..

تفسير آيات الصيام من كتاب (زهرة التفاسير) –(2)؛ للإمام العلاَّمة محمد أبو زهرة (رحمه الله) ..

 

هذا شهر رمضان، شهر البركات، ولقد بيَّنه سبحانه وتعالى، والابتداء يَرْمُز إلى الانتهاء، فقال تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ منْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، وقد تكلمنا في أعذار المرض والسفر والعجز في الآيات السابقة ..

 

وقال الله تعالى في ابتدائه (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ)، ويُريد سبحانه بالشَّهر هُنا هلال رمضان، و (شهده) أي حضره ورآه، وعبر عن الهلال بالشهر؛ لأن العرب كانت ترى الهلال، وُيراد الشهر عُرفاً عندهم، وهذا في الأصل مَجاز، والمجاز إذا اشتهر صار عُرفاً، وإطلاق الشهر وإرادة الهلال من قَبيل إطلاق المسبب وإرادة السبب، وذلك من علاقات المجاز المرسل؛ لأنَّ الهلال أمارة ابتداء الشهر، فكان جارياً مجرى السبب؛ ولأنَّ الاعتبار بالرؤية، والرؤية لَا تكون إلا لمحسوس، والشهر عدد من الأيام يُعَدُّ بالحساب، وذلك معنى نعيش فيه ولا نراه، والهلال هو الذي يُرى فكان التعبير بالشهر عنه، تعبير بالمدلول على الدال الذي يُرى ويُعلن الابتداء ..

 

وإذا كان الهلال دليل الابتداء، فهو الذي نيط به الوجود، فيكون دليلاً على الانتهاء، برؤية هلال الشهر، فهو دليل الابتداء والانتهاء معا، ولقد ذكر النبي  صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ)) [6]، وهذا النص يدل على أمرين:

أولهما: أن الصوم يجب عند رؤية الهلال، في ابتداء الشهر، والفطر عند رؤية هلال شوال أي الشهر الثاني، وإنه إن غُمَّ أولاً، أو آخراً، فتكمل العدة ثلاثين يوماً، فإن غُمَّ الهلال أولاً أكمل عدة شعبان ثلاثين، وذلك بعد ارتقاب الهلال في التاسع والعشرين من شعبان، فتكمل ثلاثين إن غم، وكذلك هلال شوال إذا غم تكمل عدة رمضان ..

 

الأمر الثاني: الحديث يدل على أن الهلال واحد، وذلك أنه القمر في أول منازله، والقمر واحد، في كل الشهور، وفي كل شهر يتغير من هلال حتى يصير بدراً، ثُم يتغير من بعد ذلك حتى يكون المحاق، ويرتقب من بعد ذلك الهلال، فالأخير، والأول واحد ..

 

ويُثار في هذا الموضوع أمران:

أولهما: إذا غُمَّ الهلال أيمكن تعرف الهلال أولد أم لم يُولد بالحساب، وقد كان معروفاً بتتبع أدوار القمر في منازله من حاله هلالاً، حتى يصير بدراً، ثم يضؤل من بعد حتى يختفي في السرار، أم نقف عند حد الغمة فتكون ثلاثين كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلامه في المنزلة الأولى ولا مُعقب لقوله؟ رأى الجمهور الأكبر من العلماء الوقوف عند النص، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ)) [7]، وإن الشريعة نزلت ابتداء لقوم أُميين لا يعرفون حساب النجوم، فيكون على قدر ما يُحسون ويرون، وجاء الحديث بذلك ..

 

وقد ذهب مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير وهو من كبار التابعين وابن قتيبة، فقالا: يُعول على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل، واعتبار حسابها في صوم رمضان، حتى إنَّه لو كان صحواً لرؤي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ))، أي استدلوا عليه بمنازله، وقدَّروا إتمام الشهر بحسابه [8] ..

 

وقد قال بذلك بعض الشافعية، وروى ابن نافع عن مالك أنه أجاز ابتداء الشهر بالحساب، وانتهاءه بالحساب [9] ..

 

وإن الأخذ بالحساب الدقيق قد يكون مُمكناً، وخُصوصاً أن الإرصاد يكون رؤيةً بآلة فهل يُؤخذ بها؛ يقول الله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [سورة يس: 39-40] ..

 

وإن التقدير بالمنازل كان مُمكناً عند العرب والأعراب، حتى إنهم كانوا يعرفون اليوم من الشهر بمعرفة منزلة الهلال، ليعرفوا اليوم الأول من رؤيته في ليلة، واليوم الثاني بما كان من تغيير، وهكذا حتى يصير بدراً، ثم اليوم السادس عشر من التغير إلى آخره. ونقول في هذه القضية:

 بعد أن كانت الأرصاد، وهي تخترق الغمة فيرى الهلال من ورائها، يجوز الاعتماد عليها عند الغمة، وتكون هذه رؤية، ويكون الصوم لرؤيته والإفطار لرؤيته، ويكون العمل بالحديث قائماً. ويكون الحديث بظاهره مُنطبقاً على من ليس عندهم أرصاد، فإنه يؤخذ بالنظر المجرد إذا لَا سبيل إلى الرؤية إلا بالنظر الطبيعي وعلى ذلك قرر مجمع العلماء في القاهرة، وأقره المؤتمر الإسلامي العام أنه يُؤخذ بالحساب العلمي إذ غمت الشمس ولم تمكن الرؤية ..

 

الأمر الثاني: الذي يُثار وقد أثير في القديم، وهو أن مطالع القمر مُختلفة في البلاد شرقاَ وغرباً، فقد يُرى الهلال في المشرق، قبل أن يُرى في المغرب، فهل يصوم كل على مطلعه، أم الأساس هو أول رؤية، فيصوم أهل الغرب مثلاً على رؤية أهل الشرق الهلال على أساس أول رؤية، ولا اعتداد باختلاف المطالع، لأنَّ الأمة الإسلامية أمة واحدة، ولا يفرق بينها اختلاف الأقاليم ليكون ابتداء الصوم واحداً، وانتهاؤه واحداً، فلا يصوم إقليم، ويفطر آخر في يوم واحد؟.
قال الشافعي الرأي الأول، وقال الجمهور الرأي الثاني، أي أن الاعتداد بأول رؤية، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد كان بمكة فرأى أهل الشام الهلال ليلة الجمعة فصاموا يومها، ورأى أهل الحجاز الهلال ليلة السبت فلم يصوموا السبت، وقال: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [10] ..

 

ففهم الشافعي من هذا أن اختلاف المطالع يُعتبر، بحيث لَا يكلف أهل مطلع، إلا على مقتضى مطلعهم، وإني أرى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن العبرة بمطلع مكة؛ أولاً: لأنه كان بمكة، ولم يعتبر برؤية الشام، وثانيا: لأن مكة قبلة المسلمين يتوحدون عندها، فيكونون كالدائرة حولها، وثالثا: أن هلال ذي الحجة لا يعد إلا بهلالها، ويوم عرفة وأيام التشريق وغيرها لَا يعتد إلا بها، ولأنها مجتمع الوحدة في الصلاة والحج فتكون مجتمع الوحدة الإسلامية في الصوم.
هذا رأى رأيناه وعرضناه والله أعلم بالصواب.


وإن شرعية صيام رمضان مع الرخص التي تسوغ الإفطار هو من تيسير أداء الفريضة؛ ذلك أن من شأن هذه الشريعة: أنها إذا كلفت تكليفاً فيه مشقة، فتحت باب الترخيص، ليسهل الأداء، وليداوم عليه، ويستمر من غير تململ، ولا تحمل المكلفين على أقصى المشقات؛ ولذا قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكمُ الْيسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعسْرَ) ..

وهذا النَّص الكريم فيه إشارة إلى تعليل هذه الرُّخص، وفيه إشارة إلى الوصف العام لشرع الله تعالى، الذي دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: (( يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَمَا خُيِّرَ النَّبِيُّ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً))، وقال تعالى: (وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ...)، ولمقام التعليل في قوله تعالى: (يُرِيد اللَّهُ بكمُ الْيسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، عطف عليه تعليل آخر، وهو قوله: (وَلِتكْمِلُوا الْعِدَّةً) أي لتُتموا عدَّة الشهر في يُسر من غير إعنات، وهنا فعل محذوف تقديره، شرع لكم ذاك التيسير لكيلا يكون حرج وضيق في صومكم، ولتكلموا العدة أي لتستطيعوا أداء العدد كاملاً غير منقوص بالأداء لمن لَا عُذر له، وبالأداء مع القضاء من أيام أُخر، لمن كان ذا رخصة تجيز الفطر، وتُوجب القضاء، فتكون عدة الشهر قد كملت، أداء وقضاء،  أو أداء فقط لمن له عذر ..

 

(وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)، ولتتجهوا إلى الله مُكبرين ضارعين إليه جل جلاله على هدايته لكم بأن وفقكم للإيمان بدل الكفر، وبأن مكنكم من أداء الواجب كاملا..

 

وقالوا: إن ذلك إيذان بالعيد، وهو تكبير الله إذ إنَّ التكبير يكون للفرح بالعيد، ((وللِصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: يَوْم فِطْرِهِ، وَيَوْم لِقَاء رَبِّه)) [11] .. وفرحته يوم فطره: هي فرحته بأداء الواجب، وسُروره بالطَّاعة، وفرحته يوم لقاء ربه: هي فرحته بالنعيم المقيم، وبالرضوان من الله تعالى وهو لدى الأبرار أكبر من النعيم؛ كما قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ منَ اللَّهِ أَكبَر) ..

 

وإنَّ هذه النعم نعمة الإيمان، ونعمة التيسير، ونعمة أداء الواجب كاملاً، ونعمة الفرحة به يوم الفطر، وتكبيره سُبحانه وتعالى يقتضي الشُّكر، ولذا قال تعالى: (وَلَعَلَّكمْ تَشْكُرُونَ)، ولعلَّ للرجاء وهو من النَّاس، ومن ترتيب الأمور، لا من الله تعالى أي لترجوا شُكراً لله تعالى على هذه النِّعم المتوالية، والله غفور رحيم  ..

 

                                * * *

* - للموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

* - من كتاب "زهرة التفاسير" لفضيلة العلاّمة الشيخ محمد أبو زهرة (رحمه الله) ..

___________

[6]  متفق عليه؛ أخرجه البخاري: الصيام (1776)، ومسلم (1810) بنحوه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، وبلفظ المصنف - رحمه الله - أخرجه النسائي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: كتاب الصيام - ذكر الاختلاف على عمرو بن دينار (2095) ..

 [7] - رواه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الصيام - صوموا لرؤيته (1810) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. راجع - متفضلا - التخريج السابق والذي قبله.

 [8] – هذه رواية مسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: كتاب الصيام (1995- 1996).

[9] – ذكر المصنف - رحمه الله - أنه أفاد هذا المبحث من (تفسير القرطبي) وهو كذلك من بداية قوله: وقد ذهب مطرف بن الشخير [تفسير سورة البقرة: 185].

[10] –  عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ: ((مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: " لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ")) [أخرجه مسلم: كتاب الصيام - بيان أن لكل بلدَ رؤيتهم-؛ برقم: (1819)] ..

[11] –  مُتفق عليه؛ من رواية أبي هريرة رضي الله عنه. وقد سبق قريباً ..