شهر رمضان و أزمة (كُورونا) .. والتكافل بين المُسلمين .. بقلم: د. حمدي أبو سعيد – (1)

شهر رمضان و أزمة (كُورونا) .. والتكافل بين المُسلمين .. بقلم: د. حمدي أبو سعيد – (1)

 

 

شهر رمضان و أزمة (كُورونا) .. والتكافل بين المُسلمين .. بقلم: د. حمدي أبو سعيد – (1)

 

[1]

هلَّ علينا شهر رمضان الكريم؛ شهر الخيرات والأنوار والبركات، شهر البرِّ والإحسان، شهر الجُود والكرم، شهر البذل والسَّخاء والعطاء، شهر القُرآن والصَّبْر، شهر التسابق إلى الطَّاعات وفعل الخيرات وترك المُنكرات، هلَّ علينا شهر رمضان الكريم هذا العام والعالم يشهد للعام الثاني على التَّوالي أزمة كونية كبيرة، ألا وهي أزمة (كُورونا) التي فاجأت العالم بأحوالها وأهوالها الصعبة وآثارها الكارثية على الصحة وحياة النَّاس؛ فضلاً عن تأثيراتها على الاقتصاد وحركة النقل والتنقل بين الدول، حيث أصابت العالم بما يُشبه الشلل، فتعطلت المدارس والمصانع والمصالح والأعمال، وأُغلقت المساجد في أماكن كثيرة من العالم، وعلى رأسها المساجد الثلاث الكُبرى في الإسلام: (المسجد الحرام – والمسجد النَّبوي – والمسجد الأقصى) لأول مرة في التاريخ لفترة تُعتبر طويلة نسبيّاً، حيثً تعطّلت الصلوات والجُمع والجماعات، وفَرَضَتْ الإجراءات الصحيَّة الاحترازية والتدابير الوقائية الصارمة التي قررتها العديد من الدُّول والحكومات على النَّاس البقاء في بيوتهم؛ للحدِّ من انتشار وباء (كُورونا)، وتضرر الجميع من هذه الأوضاع الصعبة التي لم يتعوَّدوا عليها، ولم يُشاهدوا لها مثيلاً في حياتهم؛ فقد تضررت الدول والحُكومات، وتضرر أصحاب الأعمال والتِّجارات، ولكن كان المتضرر الأكبر في هذه الأزمة الصعبة (عُمال اليُومية)، وأصحاب المهن الحُرَّة والحرفيين وبخاصة الشباب من أصحاب الدَّخل المحدود، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وهُو ما يفرض على الجميع التعاون والتآزر والتَّراحم والتكافل لمُعاونة بعضهم بعضاً، ويفرض على الجمعيات والمؤسسات الوقفيَّة والخيرية وصناديق الزكاة ورجال الأعمال ومؤسسات المجتمع الأهلي القيام بواجبهم ومسؤولياتهم تجاه الفقراء والمساكين والضعفاء وأصحاب الحاجات والمتضررين من أرباب المهن الحُرَّة وأصحاب الحرف اليدوية البسيطة وغيرهم ..

 

لقد جاءت أزمة (كُورونا) في هذا الشهر الفضيل الكريم لتُذكِّرنا جميعاً بواجبنا تجاه مآسي إخواننا المسلمين وسائر المنكوبين من المستضعفين في شتى بقاع الدُّنيا .. فكم رمضان مرَّ علينا والشعب السُّوري المسكين يُعاني أبشع مرارات القتل والدَّمار والتهجير والتنكيل الطائفي الحقير؟! .. وكم رمضان مرَّ علينا والعالم كُلُّه يشهد ويُشاهد ما يُعانيه الشعب الفلسطيني من قتل وتهجير وهدم للبيوت واعتداءات على الآمنين؟! .. وكم رمضان مرَّ ونحن نرى أزمات ومصاعب وآلام وأوجاع وأوضاع  بئيسة يُعاني منها المسلمون في (بورما)، وفي (تُركستان الشّرقيَّة) بالصين، وفي (كشمير)، وفي (اليمن)، وفي (ليبيا) التي تُعتبر من أغنى بلاد العالم، وفي غيرها من بلاد المسلمين؛ ولا حول ولا قُوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم ..

 

كم رمضان مرَّ علينا وسُفهاء المسلمين من مُحْدَثِي النِّعمة الذين كانوا بالأمس القريب حُفاة عُراة فقُراء عالة يتكفَّفُون الناس، نراهم يعبثون بأموال المسلمين في حفلات اللَّهو والطَّرب والقُمار والمُجون، ويُبدِّدون ويُبعثرون أموال الأُمة في مُغامرات فاشلة وأعمال قذرة، في الوقت الذي يُوجد فيه مئات الملايين من المسلمين وغيرهم من الفقراء والمساكين والضعفاء (الجَوْعَى والمَرْضَى) الذين يتضوَّرون جُوعاً، وتفتك الأمراض القاتلة بأجسادهم الضعيفة المتهالكة التي هدَّها الجوع والفقر والمرض والحرمان؛ وتنقل شاشات التلفزة أخبارهم التعيسة وأحوالهم البئيسة، وصُورهم المُؤلمة؛ ويُشاهد الجميع هياكل عظمية مطروحة أرضاً لا تقوى على شيء، ولا حول ولا قُوَّة إلا بالله العلي العظيم ..   

 

 

 لقد جاء رمضان هذا العام، والعالم كله يعيش أجواء خاصَّة بسبب أزمة (كُورونا)، ويتشارك النَّاسُ جميعاً في المحنة ومُعاناة الأزمة التي اجتاحت دول العالم جميعاً بلا استثناء، وأصبح الجميع تحت قهرها حُكاماً ودولاً وحُكومات ومحكومين، بما فيها بلاد المسلمين، ليشعر المسلمون والعالم كُلُّه ببعض المعاناة والمآسي والآلام التي يُعاني منها المسلمون وغيرهم من المستضعفين في الأرض؛ ولعلَّهُم -حُكَّاماً ومحكومين- يشعرون بمعاناة وآلام ومآسي إخوانهم المنكوبين في (سُوريا)، و في (فلسطين)، وفي (بُورما)، وفي (تُركُستان الشَّرقيَّة) بالصِّين، وفي (اليمن)، وفي (ليبيا)، وفي غيرها من بلاد العالم  ..

 

 

[2]

لقد تقرر في علم العُمران البشري أنَّ الإنسان مدنيّ بطبعه، لا يمكن أن يعيش وحيداً بمعزل عن الاخرين، دون أن يكون عُضواً مُرتبطاً بمجتمع من المجتمعات، والنَّاظر في تاريخ البشرية منذ البداية يرى أنها قامت على فكرة التجمع والتعاون والتآزر فيما بين أفرادها حتى تستمر الحياة على بدائيتها وقساوتها وتمضي، ومن هُنا برزت فكرة التكافل الاجتماعي بين الناس، وقد تعددت النُّظم والشرائع التي حاولت أن تُؤسس لهذه الفكرة فاقتربت منها حيناً وفشلت أحياناً، حتى جاء الإسلام فأقام نظام الحياة في المجتمع الإسلامي النبوي والرَّاشدي القُدوة على أساس التكافل الاجتماعي بين كافة أفراد المجتمع دون تمييز ..

 

 

[3]

 

أهمية التكافل وأثره:

ويظهر أثر التكافل الاجتماعي وأهميته بين النَّاس في أوقات الشِّدَّة والمحن والأزمات العصيبة التي تمر بها المجتمعات،  ويُصبح الفضلُ فرضاً، والنَّافلة فريضة وضرورة؛ ويُصبح من المناسب جداً أن نتناول هذا الموضوع بإطلالة موجزة تذكيراً لنا ولإخواننا المسلمين في شتَّى بقاع الدُّنيا بواجب الوقت وفريضته وضرورته؛ في ظل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العالم كله مع انتشار وباء كورونا (كوفيد - 19) عافانا الله وإياكم، وحفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين وسائر شُعوب العالم من هذا الوباء ومن غيره إنَّه سُبحانه وتعالى أرحمُ الرَّاحمين وأكرمُ الأكرمين .. في مثل هذه الظروف الصعبة يتنادى العُقلاء ويتنافس الخيِّرون من أصحاب الضمائر الحيَّة والقلوب الرحيمة لتفعيل نظام التكافل الاجتماعي بين الناس كلٌّ في مجتمعه أو مؤسسته إلى أن يتعافى المجتمع وتمر الأزمة على خير .. وهذه ظاهرة مُتميزة تظهر بوضوح في المجتمعات الحيَّة الناضجة التي تتبارى لتبني هذه القيم وتعتبرها جُزءاً أصيلاً من ثقافتها وقيمها الحضارية الضاربة بالجذور في أعماق التاريخ والحضارة، وسُلوكاً حضاريّاً راقياً يُعبر عن عظمة شخصيتها وقمة تحضُّرها ورُقِّيِّها وإنسانيَّتها، وأوْلى النَّاس بهذا هُم المسلمون أصحاب السَّبق التاريخي والحضاري في إقامة نظام التكافل الاجتماعي الذي كان السِّمة البارزة لمجتمع القدوة النبوي وخلفائه الرَّاشدين وأهل بيته وصحابته الكرام الطيِّبين الطَّاهرين رضي الله عنهم أجمعين؛ فقد كان للتراحم والتكافل أثره البارز في إقامة مجتمع الرَّحمة والعدل والفضيلة الذي عمَّ الأرض بنوره بقيادة أمُة الإسلام عبر تاريخ الإسلام المجيد وعُصوه الزَّاهرة ..

 

[4]

ضرورة التكافل بين المسلمين

ولما كان الحديث مُوجَّهاً هُنا إلى عُموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، باعتبارهم  أَوْلَى النَّاس بالسعي إلى تطبيق نظام التكافل الاجتماعي فيما بينهم، مع ضرورة  أن تُبادر الجمعيَّات والمُؤسسات الخيرية ومؤسسات الوقف والمجتمع الأهلي وصناديق الزَّكاة ورجال الأعمال الخيِّرين إلى القيام بهذا تخفيفاً لمعاناة المتضررين من هذه الأوضاع الصعبة؛ خاصة والكثير من أصحاب المهن الحُرَّة والحرف اليدويَّة وعُمَّال اليومية فقد عمله، ولا يُوجد لهم من مُعيل ومُعاون غير الله سبُحانه وتعالى ثُم هذه الجمعيات والمؤسسات الوقفيَّة والخيرية وصناديق الزكاة وأصحاب القُلوب الرَّحيمة من رجال الأعمال الصَّالحين؛ وهنا يُصبح تطبيق نظام التكافل الاجتماعي فريضة يفرضها الشِّرْعُ وضرورة يُحتِّمها الواقع، وليس فضيلة أو نافلة من النَّوافل ..

 

والأصل أن تُبادر الجمعيَّات والمؤسسات الوقفيَّة والخيرية وصناديق الزكاة إلى ذلك، حيثُ أنَّ أوضاع الفقراء والمساكين وأصحاب المهن الحُرَّة والأعمال اليومية في غاية الصعوبة؛ لذا فإنَّه ينبغي أن تتضافر كافة الجهود، ويتعاون المسلمون المُقتدرون مادِّيّاً مع إخوانهم وجيرانهم من المسلمين وغيرهم من الفقراء والمساكين في هذه الأزمة التي طالت الجميع؛ و ينبغي والحال بهذه الصُّعوبة في هذه الأزمة العاصفة -بل يجب- أن يتجرد ويتعفف غير المحتاجين على طلب أي مُساعدة من أي أحد، بل ينبغي عليه أن يُبادر ويتبرَّع ويتطوَّع ويُساهم في أعمال التكافل، إذ ليس من اللائق –أبداً- في حق قادر أن يمد يده أو لسانه بطلب مُساعدة لا تجوز شرعاً ولا عقلاً في حقه، يُحاول أن يقتطعها من حق أخيه المحتاج؛ خاصة وقد رأينا جميعاً كثافة وحجم الاحتياجات والعَوَز الذي يُعاني منه الفقراء والمساكين وأضيف إليهم أصحاب المهن الحُرَّة وأرباب الصناعات اليدويَّة البسيطة وعمَّال اليومية وغيرهم من الفئات المعدومة الذين تضرروا من أزمة (كُورونا)؛ بأنواع من المساعدات أو إقراضهم بعض المال الذي يُعينهم على تجاوز بعض آثار هذه الأزمة العاصفة  ..  فينبغي أن يتجرد القادرون ماديَّا عن الاستفادة من أي خدمة مجَّانية أو مُدعَّمة مُقدَّمة من الدِّول والحكومات أو من الجمعيات والمؤسسات الخيرية إلى الفقراء والمساكين والضُّعفاء في ظل محنة صعبة وأزمة عاصفة وجائحة يموت النَّاس فيها واقفين على أقدامهم، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله ..

 

لا بد من التجرد والإيثار والتعاون على البر والتقوى، وليس التعاون على الإثم والعدوان؛ والله جلَّ وعلا قد طلبها منَّا وأرشدنا إلى ذلك في كتابه الكريم؛ فقال سبحانه وتعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2] .. فكما نُطالب الجمعيات والمؤسسات الوقفيَّة والخيرية وصناديق الزكاة ورجال الأعمال من أصحاب القلوب الرَّحيمة بالقيام بمسؤوليتهم تجاه الفقراء والمساكين والمحتاجين، ينبغي -بل يجب- أيضاً أن يقوم غير المحتاجين ممن كفاهم الله وأغناهم بدورهم أيضاً مُتعاونين مع هذه الجمعيَّات والمؤسسات الخيرية مُتجردين ومُتعففين عن السؤال الذي لا يليق في حقِّهم وقد أغناهم الله عن ذلك ..  هذا وباللَّه التَّوفيق .. وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا الحبيب مُحمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. والحمد لله ربِّ العالمين ..  والله من وراء القصد ؛؛؛

 

  •  - للمقال -صلة وتكملة- بمشيئة الله تعالى ..
  • - المقال بقلم: د. حمدي أبو سعيد