تفسير آيات الصيام من كتاب (زهرة التفاسير) - (3 - 4) - للإمام العلاَّمة محمد أبو زهرة (رحمه الله) ..

تفسير آيات الصيام من كتاب (زهرة التفاسير) - (3 - 4) - للإمام العلاَّمة محمد أبو زهرة (رحمه الله) ..

تفسير آيات الصيام من كتاب (زهرة التفاسير) - (3 - 4) - للإمام العلاَّمة محمد أبو زهرة (رحمه الله) ..

 

قال الله تعالى:

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) [سورة البقرة] ..

 

 

إنَّ شهر رمضان شهر التجرد الروحي، والاتجاه إلى الله تعالى، فقد كتب الله تعالى علينا صيامه، وسنَّ صلى الله عليه وسلم قيامه، وسنَّ صلى الله عليه وسلم الاعتكاف في المساجد، وإنَّ المؤمن إذا تجرد ذلك التجرد كان الله تعالى ملء قلبه، وناجى ربه سراً وعلانية، وذكره خفية وجهرة، ودعا ربه ضارعاً إليه، وقد وعده الله تعالى بإجابة دعائه، وأنَّه قريب منه، وأنه مُستجيب له؛ لأنَّه استجاب له؛ ولذا قال تعالى:

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ)، وإن العبد إذا أحس بعظمة الله تعالى، وامتلأ قلبه بخشيته أحسَّ بأنَّه عونه، وأنَّه سنده، وإنَّ أولئك الذين يشكرون لله تعالى نعمته في شرعه الرخص بجوار العزائم، يتجهون إلى الله تعالى، وكأنَّهم يسألون قُربه ليصل دعاؤهم فقامت حالهم مقام سؤالهم، أو هم سألوا فعلاً؛ ولذا قال سبحانه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) جعل سبحانه الشرطية تتعدى (بإذا) - الدَّالة على تحقق السؤال، وقد كان بحالهم الخاشعة الضارعة الطالبة، وقال سبحانه عن السائلين بحال نفوسهم: ((عِبَادِي)) أي "الذين يشعرون بحق العبودية، ويرتضونها طيبة نفوسهم، راضية خائفة قلوبهم، فإذا سألوك فإني قريب منهم، قُرب نفوسهم بإِحساسهم بمقام العبودية، وأنا قريب منهم بالربوبية، ثُمَّ قال سبحانه عن نتيجة هذا القرب: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ..

 

 

 أي أنَّ هذا القرب ليس قرب مكان، ولكن قُرب إجابة ورضا ورحمة، وكأنه سبحانه وتعالى يقول: (ادعوني أستجب لكم)،  كما قال في آية أخرى: (وَقَالَ رَبُكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)، وهذا يدل على أن الدعاء عبادة؛ إذ قال عن الذين لَا يدعون: (إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي): فالدعاء عبادة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: ((الدُّعاء مخ العبادة)) [12]، وإن الله تعالى يُحب دعاء عبيده، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله يُحِبُّ المُلِحِّينَ فِي الدُّعَاء)) [13]، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((مَنْ لَمْ يَدْعُ الله تَعَالَي غَضِبَ عَلْيْهِ)) [14] ..

 

 

فالدُّعاء على هذا عبادة واستغاثة واتجاه إلى الله تعالى،  كما جاء في المعنى اللُّغوي فقد جاء في القاموس وشرحه: "الدُّعاء الرغبة إلى الله تعالى فيما عنده من الخير، والابتهال إليه بالعبادة والاستعانة، وبالثناء عليه تعالت ذاته العلية عن الشبيه والمثيل" ..

 

وإذا كان ذلك شأن الدعاء ومقامه، فقد قَرَّبَ الله الدَّاعين إليه، وقال تعالى: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) "الفاء" للإفصاح عن شرط مُقَدَّر، مَضْمُونَه: إذا كنت قريباً منهم، أجيب دعوتهم إذا دعوني، وأقبل عبادتهم - إذ كان دعاؤهم عبادة واستغاثة وثناء عليه سبحانه - إذا كُنت كذلك بالنسبة لهم، فليستجيبوا لي فيما أدعوهم إليه من إقامة للعدل ودفع للظلم، وإصلاح في الأرض، ومنع للفساد، وإصلاح ذات بينهم، ومن إفراده بالعبادة والالتجاء إليه. والاستجابة: الإجابة بعد مُعالجة النَّفس، وحملها على الإجابة، أو المبالغة في الإجابة بالطاعة والإحسان فيها، وأن يعبد الله كأنه يراه، فإنَّ لم يكن يراه، فليشعر أنه في رقابة الله تعالى ..

 

 

قال تعالى: (وَلْيُؤْمِنوا بِي) أي حق الإيمان، بأن يؤمنوا بأن الله واحد أحد لا شريك له، وأن يُؤمنوا بقدرته التي أبدعت وخلقت كل شيء، فقدرته تقديراً، وأنه المستعان في الشدائد، والملجأ في المكاره، وليَسْتَنُّوا بِسُّنَّتِه في كل أحوالهم، ولقد قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [سورة الأنفال: 2] ..

 

 

ثم بَيَّن سبحانه وتعالى أنَّ طاعة الله تعالى في كل ما يأمر به، وينهى عنه، والإيمان به حق الإيمان هو سبيل الرشاد في هذه الدنيا، وإدراك حقيقتها وفهمها والإصلاح فيها، ولذلك قال تعالى: (لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ)، أي يرجون بالإيمان الصادق والالتجاء إليه سبحانه وحده، أن يرشدوا بأن يسيروا في طريق الرشاد الذي لا عوج فيه، فيصلحون، ويصلح الناس بهم، ويسلكون جميعاً طريق الهداية، والله يهدي من يشاء ..

 

 

كانت آية الدعاء، وقرب الله تعالى لمن يدعوه واستجابته له، كان هذا إشارة إلى صفاء النفس الذي يكون للصائم، إذا قام بحق الصيام، وقرب من الله تعالى، ولقد كان ابن عمر - وغيره من الصحابة المقربين – رضي الله عنهم أجمعين كثير الدعاء في رمضان، وسماه بعض العباد شهر الاستجابة ..

 

 

***

وبعد ذلك أخذ القرآن الكريم يُبين بعض أحكام الصيام يشرح وقته، وإزالة بعض الأوهام، فقال تعالى:

(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (187)..

 

 

فهم بعض الناس أن اتصال الرجل بأهله في ليل رمضان كان ممنوعاً ثم أُحل، وفهم ذلك من قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)، فالإحلال لا يكون إلا في موضع كان محرماً، وقد نسخ التحريم، وإن ذلك ظن الذين يفْرطون في ذكر الناسخ والمنسوخ في القرآن، وعندي أن ((أُحِلَّ)) تدل على أن ((الرَّفَث)) إلى النساء حلال قد أحله الله تعالى، وذكر بالبناء للمجهول للدلالة على أنه حلال من قبل ومن بعد ..

 

 

وإنه قد جاءت الروايات عن الصحابة بأنَّ بعضهم حسب أنه بمجرد نوم أحدهم ينتهي وقت الفطر، ويبتدئ وقت الصوم [15]، ويظن من يأتي أمرأته بعد أن ينام أنه قد انتهك حرمة الصوم، فرد الله تعالى ذلك الزَّعم بقوله تعالت حكمته: (أُحِلَّ لَكمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ)، والرَّفَثُ: ذكر ما يكون بين الرجل والمرأة من جماع ومقدماته ونحو ذلك من القول، وهو هنا كناية عن الجماع، كما يكنَّى بلفظ لامستم النساء عن الجماع، وكذلك بلفظ لمستم ..

 


وقول الله تعالى (إِلَى نِسَائِكُمْ) لتضمُّن الرَّفَث معنى الإفضاء إلى النساء بجماعهن؛ كما قال تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [سورة النساء: 20 – 21] ..

 

*- للموضوع -صلة وتكملة- بمشيئة الله تعالى .. 

 

* - من كتاب "زهرة التفاسير" لفضيلة العلاّمة الشيخ محمد أبو زهرة (رحمه الله) ..

_____________

[12] –  أخرجه الترمذي في "جامعه"؛ برقم: (3371)؛ وقال: (هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة ) ..

[13] – أخرجه الطبراني في الدعاء بسند رجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة بقية عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعا [أفدته من فتح الباري - أول كتاب الدعوات].

[14] – رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بـ (ج2 ص 443- 477)، بلفظ: (مَن لَم يَدْعُ الله غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ) ..

 [15] - عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلاَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لاَ وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: 187]، فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ) [البقرة: 187] [رواه البخاري: كتاب الصوم (1782)] ..