تفسير آيات الصيام من تفسير (روح المعاني) (10) لإمام أهل العراق، العلاَّمة شهاب الدين، السيد محمود الآلوسي (رحمه الله) ..

تفسير آيات الصيام من تفسير (روح المعاني) (10) لإمام أهل العراق، العلاَّمة شهاب الدين، السيد محمود الآلوسي (رحمه الله) ..

تفسير آيات الصيام من تفسير (روح المعاني) (10) لإمام أهل العراق، العلاَّمة شهاب الدين، السيد محمود الآلوسي (رحمه الله) ..

 

(تِلْكَ) أي: الأحكام الستة المذكورة المشتملة على إيجاب وتحريم وإباحة (حُدُودُ اللَّهِ) أي: حاجزة بين الحق والباطل، (فَلَا تَقْرَبُوهَا) كيلا يُداني الباطل، والنَّهي عن القرب من تلك الحدود التي هي الأحكام، كناية عن النهي عن قُرب الباطل؛ لكون الأول لازماَ للثاني، وهو أبلغ من (لا تعتدوها)؛ لأنَّه نَهْىٌ عن قُرب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من الصريح، وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق الصريح، وعلى هذا لا يشكل (فَلَا تَقْرَبُوهَا)  في تلك الأحكام، مع اشتمالها على ما سمعت، ولا وقوع (فَلَا تَعْتَدُوهَا ، وفي آية أخرى؛ إذ قد حصل الجمع، وصح (لَا تَقْرَبُوهَا) في الكل ..

 

 

وقيل: يجوز أن يُراد بـ (حُدُودُ اللَّهِ) تعالى محارمه ومناهيه؛ إمَّا لأنَّ الأوامر السابقة تستلزم النواهي لكونها مُغياة بالغاية، وإمَّا لأنَّ المشار إليه قوله سبحانه: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ) وأمثاله ..

 

وقال أبو مسلم: معنى (لَا تَقْرَبُوهَا) لا تتعرضوا لها بالتغيير؛ كقوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ) فيشمل جميع الأحكام، ولا يخفى ما في الوجهين من التكليف، والقول بأن تلك إشارة إلى الأحكام، (والحد) إمَّا بمعنى المنع، أو بمعنى الحاجز بين الشيئين، فعلى الأول يكون المعنى تلك الأحكام ممنوعات الله تعالى عن الغير ليس لغيره أن يحكم بشيء، (فَلَا تَقْرَبُوهَا) أي: لا تحكموا على أنفسكم، أو على عباده من عند أنفسكم بشيء، فإن الحكم لله تعالى عز شأنه، وعلى الثاني يريد أن تلك الأحكام حدود حاجزة بين الألوهية والعبودية، فالإله يحكم والعباد تنقاد، فلا تقربوا الأحكام؛ لئلا تكونوا مشركين بالله تعالى، لا يكاد يعرض على ذي لب فيرتضيه، وهو بعيد بمراحل عن المقصود كما لا يخفى ..

 

 

(كَذَٰلِكَ)، أي: مثل ذلك التبيين الواقع في أحكام الصوم (يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ) إما مُطلقاً، أو الآيات الدالة على سائر الأحكام التي شرعها (لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) مُخالفة أوامره ونواهيه، والجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه لتقرير الأحكام السابقة والترغيب إلى امتثالها، بأنها شرعت لأجل تقواكم ..

ولما ذكر سبحانه الصيام وما فيه؛ عقَّبَهُ بالنَّهي عن الأكل الحرام المُفضي إلى عدم قبول عبادته من صيامه واعتكافه، فقال: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)  والمراد من الأكل ما يعم الأخذ والاستيلاء، وعبَّر به لأنَّه أهم الحوائج -وبه يحصل إتلاف المال غالباً- والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض، فهو على حد  (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُم) وليس من تقسيم الجمع على الجمع كما في: (ركبوا دوابهم)، حتى يكون معناه لا يأكل كل واحد منكم مال نفسه، بدليل قوله سبحانه: (بَيْنَكُمْ) فإنَّه بمعنى الواسطة يقتضي أن يكون ما يُضاف إليه منقسماً إلى طرفين بكون الأكل والمال حال الأكل متوسطاً بينهما، وذلك ظاهر على المعنى المذكور، والظرف متعلق بـــ (تَأْكُلُوا) كالجار والمجرور بعده، أو بمحذوف حال من الأموال، والباء للسببية، والمراد من الباطل الحرام؛ كالسرقة، والغصب، وكل ما لم يأذن بأخذه الشرع ..

____________

هذا وبالله التوفيق، و صلَّى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ..

* - انتهى تفسير آيات الصيام من تفسير (روح المعاني)؛ للإمام السيد محمود الألوسي (رحمه الله) ..