وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (3) - للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..

وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (3) - للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..

وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (3) - للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..

 

قال تعالى:

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (185) ..

 

 

روي عن الحسن أنه قال: إنّ الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى؛ أما اليهود: فإنَّها تركت هذا الشهر، وصامت يوماً من السَّنة زعموا أنَّه يوم غرق فيه فرعون، وأمَّا النَّصارى فإنَّهم صاموا رمضان، فصادفوا فه الحرّ الشديد، فحولوه إلى وقت لا يتغيّر، ثُمّ قالوا عند ذلك: نزيد فيه ، فزادوا عشراً، ثُمّ بعد زمان اشتكى فيه ملكهم، فنذر سبعاً فزادوه، ثُمّ جاء بعد ذلك ملك آخر، فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمّها خمسين يوماً. وهذا معنى قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا) [سورة التوبة: 31] ..

 

 

أنزل الله تعالى فرض صيام رمضان على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته في شهر شعبان من العام الثاني من الهجرة .. وقد شرّفه الله تعالى بأعظم شرف، فقد أنزل أعظم ملك هو جبريل عليه السّلام، بأعظم كتاب هو القُرآن، وبأعظم لغة هي العربية، في أعظم شهر هو رمضان، في أعظم بلد هي مكة، في أعظم ليلة هي ليلة القدر، لأعظم أُمَّة هي أمة الإسلام، على أعظم نبيّ هو مبعوث الهداية الإلهية وشمس العناية الربّانية؛ فهو الأميُّ الذي علَّم المتعلمين، اليتيم الذي بعث الأمل في قلوب البائسين، القائد الموفق الذي قاد سفينة العالم الحائرة في خضم المحيط ومعترك الأمواج إلى شاطئ الأمان، إلى صراط الله رب العالمين، ثُمّ بيّن سبحانه وتعالى وظيفة هذا الكتاب المبين، والذكر الحكيم؛ من عَلِمَ علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مُستقيم، لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا تملُّه الأتقياء؛ ومع الهدى بيّنات ودلائل قاطعة، وبرهين ساطعة، من هذا الهدى والفرقان الذي يُفرّقُ الله به بين الحلال والحرام، والحق والباطل، والكفر والإيمان  .. فيا أمة الإسلام، يا من شرّفكم الله بهذا القُرآن: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) أي من حضر هلاله، وهو صحيح غير مريض، مُقيم غير مُسافر، مُكلّف، فعليه بالصِّيام ..

 

 

ثُم يعيد سبحانه وتعالى الرخصة للمسافرين والمرضى مرة أخرى؛ حتى لا يُظن أنّه لعظم هذا الشهر قد رفع الرُّخص، وأنّه لا عُذر لأحد في الإفطار، فقال سبحانه وتعالى: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ..  ثُمّ بيّن سبحانه وتعالى الروح الذي يسري في التّشريع سريان الماء في العود الأخضر، وسريان نور القمر في الليل السّاري، فيقول سبحانه: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)، فصوموا هذا الشهر، ومن أفطر فيه لعذر كالمسافر والمريض والشيخ الفاني والشيخة الفانية، والحامل والمرضع، إذا تعذّر عليهما الصيام، والحائض والنفساء؛ كلّ هؤلاء عليهم أن يُكملوا العدة بقضاء ما أفطروا، وعلى الجميع أ، يُكبّر الله تكبير شُكر واعتراف بالجميل، فلا أحد أكبر من الله الذي هدانا لهذا وما كُنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ولتشكروا هذا الإله المنعم المتفضل على ما أولاكم من نعم، وأسبغها عليكم ظاهرة وباطنة (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [سورة النحل: 18] ..

 

 

آية الدّعاء:

 

قال الله تعالى:

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (186) ..

 

 

قال رجل: يا رسول الله:  "أقريب ربُّنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ...)، ونحن نُلاحظ أن الأسئلة التي كانت تُوَجَّه للنبي صلى الله عليه وسلم، كان الله تبارك وتعالى يُلقنه إجابتها بلفظ "قُل" .. فمثلاً: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ[سورة البقرة: 189]، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) [سورة البقرة: 217]، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) [سورة البقرة: 219]، إلى غير ذلك من الأسئلة ..

 

 

أما في آية الدعاء فلم يُوسط لفظ "قُل" في الإجابة، بل قال سبحانه مُباشرة: (فَإِنِّي قَرِيبٌ)؛ ولك لسببين:

 أولهما: نفي الوسائط بين العبد وربّه.

وثانيهما: الدلالة على عظم القُرب الإلهي للعباد (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [سورة ق: 16]؛ ولذا كان الرّسول صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: (إنّكُم لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولَا غَائِباً، إنَّما تَدَعُونَ سَمٍيعاً قَرِيباً أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِن عُنقِ رَاحِلَتِهِ) ..

قال الإمام ابن تيمية: "وهو سبحانه فوق العرش، رقيب على خلقه، مُهيمن عليهم، مُطَّلع إليهم، فدخل في ذلك الإيمان بأنَّه قريب من خلقه" ..

 

 

 

قوله: (عِبَادِيبالإضافة إلى ضمير الذات الإلهية، إضافة رحمة وشفقة وتشريف. قوله: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، يُفيد أنّ الله سبحانه وتعالى يُجيب الدعوة وقت دعائها، بدليل الظرف "إذا" ؛ ويُجيب الدعوة على حسب ما يُريده ويختاره سبحانه وتعالى، فإن كان الخير في التعجيل عَجّل، وإن كان الخير في التأجيل أجّل، وإلاّ فإن الدعاء عبادة يُخفف البلاء النازل من السماء، ويستجيب الله من العبد الدُّعاء مالم يقل: ((دَعَوْتُ، فَلم يُستَجاب لي)). ولذا قال صلى الله عليه وسلم: ((ادعُوا الله وأَنْتُم مُوقِنُون بالإجَابَة))، وقال: ((أفضل العبادة انتظار الفرج))، ((وإذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس؛ فإنّه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تتفجر أنهار الجنة))، وكان صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يسألوا الله العافية، ويُعلّمهم أن يقولوا: ((اللهم إنّك عفوٌّ تُحبُّ العفو فاعفُ عنّي)) ..

 

 

 

قال تعالى: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي)، استجابة طاعة بامتثال الأوامر واجتناب النواهي. وأوّل دلائل الاستجابة: الإيمان .. قال تعالى: (وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَإذا فطريق الرشاد والسداد والتوفيق مُتوقف على الاستجابة والإيمان ..

 

 

وإنما جاءت آية الدُّعاء بين آيات الصيام؛ لأنَّ بين الصيام والدُّعاء تمام ارتباط؛ ((فإنّ للصائم عند فطره دعوةً لا تُرد)) .. وهُناك ثلاثةٌ لا تُردُّ لهم دعوة:  ((الإمام العادل، ودعوة الصائم، ودعوة المظلوم)) ..

 

 

وكان من الهدي النَّبوي دعوات الرسول صلى الله عليه وسلم عند الإفطار: ((اللهم لك صُمت، وعلى رزقك أفطرت، فاغفر لي ما قدّمتُ وما أخّرت. الحمد لله. ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى)) .. والدعاء المطلوب هو الدعاء بالقول مع التوجه إلى الله بالقلب، ومن ثمّ سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم ((مُخّ العبادة)) ..

 

___________________________________________

 

* - للموضوع -صلة وتكملة - بمشيئة الله تعالى ..