شهر رمضان و أزمة (كُورونا) .. والتكافل بين المُسلمين .. بقلم: د. حمدي أبو سعيد – (2)

شهر رمضان و أزمة (كُورونا) .. والتكافل بين المُسلمين .. بقلم: د. حمدي أبو سعيد – (2)

شهر رمضان و أزمة (كُورونا) .. والتكافل بين المُسلمين .. بقلم: د. حمدي أبو سعيد – (2)

 

[5]

 

مُبادرات وصور إيجابية للتكافل:

فعلى الرَّغم من الظروف والتداعيات الاقتصادية التي سببتها أزمة (كُورونا) فقد ظهرت صُور ومواقف إيجابية للتكافل في أبهى وأجمل صُورها في العديد من بلاد المسلمين، وكان النَّصيب الأكبر في هذا المجال لتركيا التي ضربت أروع الأمثلة وقدمت نموذجاً مُشرِّفاً في التكافل وتقديم يد العون والمساعدة للعديد من الدُّول والشعوب المسلمة وغير المُسلمة، ولم تقف هذه المبادرات على الحكومة فقط؛ بل تعاون معها العديد من رجال الأعمال الخيِّرين من أبناء الشَّعب التُّركي المسلم الكريم؛ فقد رأينا الطائرات تحمل المواد الطبيَّة والتموينية وتنطلق إلى العديد من دُول العالم في صورة طيِّبة ونموذجاً راقياً يصلُح للاقتداء، ولم يكتفِ الأتراك بهذه المساعدات التي قدموها لأبناء شعبهم في داخل تُركيا، حيثُ حظي كبار السن وصغارهم برعاية خاصة؛ بل حظي الجميع بهذه الرعاية، فضلاً عن المساعدات الكثيرة التي قدَّموها خارج تُركيا لإخوانهم المسلمين وغيرهم؛ حتَّى أنَّه كان للحيوانات المشردَّة في المُدن التركية نصيب من الإطعام والرعاية والاهتمام، وهذا يدُلُّ على رُقيّ أخلاقي وإنساني كبير، والمسلم يفرح كثيراً حينما يرى أنَّ بلداً من بلاده الإسلامية كانت على قدر المسؤولية والوعي، وقدَّمت نموذجاً مُشرِّفاً في رعاية شعبها والمُقيمين على أرضها، وقدَّمت يد العون لإخوانها من المسلمين وغيرهم من المحتاجين وقت الأزمة .. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصَّالحات ..

 

وقد رأينا كذلك صُوراً طيِّبة من حكومة وشعب الكويت الكريم في تقديم الرِّعاية الكاملة للمغتربين من المقيمين على أراضيها، ورأينا من رجال الخير فيها من يطوف على مساكن العُمال المغتربين يُخبرهم بأنَّه قد أعفاهم من دفع قيمة الإيجار لمنازلهم طوال الأزمة، وأرينا كذلك مُساهمة في إجلاء رعايا بعض الدُّول وإيصالهم إلى بلادهم، وغيرها من الصُّور والنَّماذج والمواقف الطيِّبة التي تكررت في دولة قطر وبعض بلاد المسلمين أيضاً، والذي لا  يتَّسع هذا المقال لسردها جميعاً؛ وهذه المواقف تُمثل بوادر لهذا التكافل الواجب بين المسلمين في هذه الأزمة الصَّعبة، ورغم هذه الجهود المقدَّرة من بعض هذه الدُّول الإسلامية؛ فإننا كُنَّا نرجو أن تقوم منظمة التعاون الإسلامي بدور كبير في تجميع هذه الجهود وتوحيدها لتقديم يد العون للمسلمين وغيرهم من المحتاجين؛ وعلى العموم فإنَّ ما حصل يُعتبر خيراً كبيراً في ظل حالة التَّشظِّي والتشرذم والتَّمزُّق الحاصل الآن في بلاد المسلمين، وغياب الرؤية الواضحة وانعدام الإرادة السياسية لإصلاح ذات البَيْن وجمع الصفوف ووَحدة الكلمة بين المسلمين ولا حول ولا قُوَّة إلا بالله .. وحتَّى يأذن الله بانبلاج فجر جديد تعود فيه القيادة والتَّوجيه والسِّيادة لأمة الإسلام فإن الأمر يحتاج مزيداً من الجهد المضني والعمل الشَّاق لإبراز الصورة الرائعة المرجُوَّة  لمجتمع الرَّحمة والتَّكافل بين المسلمين؛ بما يليق بمكانتهم وريادتهم وسبقهم التَّاريخي والحضاريّ في هذا  المجال، وتقديم يد الدَّعم والعون والمساعدة لإخوانهم المسلمين وغيرهم من المحتاجين في هذه الأزمات والكوارث والجوائح العامة ..

 

[6]

عظمة التشريع الإسلامي في نظام التكافل

ولمَّا كان التكافل الاجتماعي بهذه القيمة والمكانة فقد اهتم به الإسلام وجعله الأساس في بناء المجتمع القدوة، وجعل منه الضمان القوي لتماسك المجتمع، وأنَّه بمثابة أداة فاعلة في مجال رعاية الفقراء والمحتاجين وأصحاب الظروف الطارئة نتيجة الجوائح والأحوال القهرية، وتوفير متطلباتهم من الغذاء والكساء والدواء، وقد اعترف الإسلام بالتفاوت بين الناس في الأرزاق؛ حيث قال الله تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) [النحل: (71)]، ولكنَّه  أسس المجتمع على أساس التكافل والرحمة، وأرسى مبدأ العدالة الكاملة  في اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، قال تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [النسا: (32)]  ..

 

و التكافل الاجتماعي في الإسلام يقوم على بناء فكري مُتكامل، له أساسه من العقيدة، ومن المنظومة الأخلاقية الإسلامية، التي تسعى إلى تحقيق التعاون وترسيخ الأمن الاجتماعي بين أفراد المجتمع من خلال التكافل والتراحم فيما بينهم .. وهكذا نرى أنّ التكافل في الإسلام فريضة وليس مجرد فضيلة، وأنه حق وليس منحة، كما أنّه أحد موازين العدالة المجتمعية ..

هذا هو نظام الإسلام، وهذه هي شريعته التي سبقت كافة الشرائع والنُّظم في تأسيس المجتمع على أساس التكافل والرَّحمة بين أفراده ..

 

و نظام التكافل في الإسلام يشمل الإحسان إلى الأهل والأقارب والمبادرة إلى تلبية مطالبهم، والبر بهم والإنفاق عليهم، قال صلى الله عليه وسلم: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)) [رواه الترمذي، برقم: (65354)، وقال حديثُ حسنٌ صحيح]، كما يشمل الجيران وزملاء العمل واليتامى والمساكين وابن السبيل الذي انقطع به الطريق وليس معه مال يُوصله إلى حيث يُريد، ويتدرج من هذه الفئات إلى المجتمع بأسره، ثم إلى الأمة كلها، بحيث تتحقق الرعاية بكل معانيها .. 

 

[6]

تأسيس مجتمع القُدوة النبوي على التكافل والتراحم

ونظام التكافل في الإسلام، يعني التزام القادر من أفراد المجتمع تجاه أفراده،  قال الله تعالى في وصف جيل القُدْوة المبارك من الأنصار الذين أحسنوا استقبال وإكرام إخوانهم المهاجرين: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9] ..

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْل مِن زَاد فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ، قَالَ: فَذَكَرَ مِن أَصْنَافِ اَلْمَالِ مَا ذَكَر، حَتُّى رَأَيْنَا أَنَهُ لاحق لأَحَدٍ منا فِي فَضْل)) [صحيح مُسلم؛ برقم: (11313)] ..

 

وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بيَّن من شرائع الإسلام وأحكامه: مسؤولية الأمة والدولة والمجتمع عن كل فرد مُحتاج فيها، فيما يُشبه الإنذار والتحذير والوعيد القوي لكافة أفراد المجتمع: ((لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ)) [صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري] ..

وفي مستدرك الحاكم وصححه الذهبي: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  ((مَا ءَامَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعانَ وَجارُهُ جائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ)) ..

ومعناه كما قال العلماء: ليس المؤمن الكامل بالَّذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم، لإخلاله بما تَوَجَّبَ عليه في الشريعة من حق الجوار، والمراد نفي كمال الإيمان وذلك؛ لأنه يدل على قسوة قلبه، وكثرة شُّحِّه وبُخله، وسُقوط مروءته، ودناءة ورداءة طبعه ..

 

وقد أَرْسَى الرَّسُول صلى الله عليه وسلم مفهوم التكافل  بين أفراد المجتمع الإسلامي الأول، وجعله حقيقة يتعاون فيها الناس بعضهم مع بعض، وتتكاتف فيها الجهود حتى يتراحم أفراده فيما بينهم، ويحصل كل فرد على حاجاته الضرورية بقدر كفايته وفق ضوابط عادلة، ولا شك أنَّ استعادة هذه المظاهر الإسلامية في حياتنا المعاصرة تُعد مطلباً جوهرياً، وسفينة إنقاذ للأوضاع الصعبة في علاقة الناس بعضهم مع بعض، وتأميناً للمجتمع من أي اهتزازات أو اختراقات تُهدد أمنه وسلامة أفراده ..

 

فما أحوجنا والظروف صعبة، والحال هكذا إلى أن نهتدي بهدي رسولنا الحبيب الله صلى الله عليه وسلم، وهدي الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم أجمعين، وما رأيناه  عبر عُصور الحضارة الإسلامية الزَّاهرة من صور ونماذج رائعة في إحياء سُنَّة التكافل الاجتماعي التي تتحوَّل إلى فريضة وضرورة وقت الأزمات والشَّدائد والمِحن؛ حتى تحيا الأمة على التعاون والتضامن، ومُشاركة القادرين من أفرادها لغيرهم من المحتاجين ..

 

والحضارة الإسلامية زاخرة بهذه الينابيع والصُور التي تُغَذِّي جانب التكافل في المجتمع الإسلامي؛ لأنَّ الإسلام لم يكن لِيَحُثَّ على التكافل والتعاون دون أن يُوجِدَ القنوات التي من خلالها يستمرُّ الدعم ويتأكَّد الاستمرار لهذه الجوانب المهمَّة ..

ومن هذه المنابع المتجدِّدة التي حرص الإسلام عليها، وجعلها كفيلةً ببقاء التكافل والتعاون على البر والتقوى واقعًا عمليًّا في المجتمع: الزكاة، والصدقة، والوقف، والنذور، والكفَّارات، والأضاحي.. وغير ذلك من صور التكافل الاجتماعي وينابيعه المتعددة في الشريعة الإسلامية المعجزة ..

 

[7]

عود على بدء .. والتكافل الواجب بين المسلمين:

وبناء على هذا .. فإني أقترح على الجمعيَّات والمُؤسسات الوقفية والخيرية وصناديق الزكاة الشّرعيَّة؛ ما يلي:

1 – أهمية تأسيس وقفيَّات وصناديق للأزمات والجوائح التي تجتاح الأُمَّة والعالم، وتنظيم حملات إعلامية وإعلانية ضخمة في كُلِّ مكان، والتَّواصل مع كافة فئات المجتمع ورجال الأعمال والتُّجار وكافة الفعاليات من أهل الخير من أبناء المسلمين التي يُمكن أن تُساهم مُساهمة كبيرة في تقديم الدَّعم والعون لهذه الصناديق الوقفيَّة، والعمل على تنمية مواردها بالاستثمار في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة وغيرها من أوعية الاستثمار الشَّرعية الكثيرة ..  

 

2 – أهمِّيَّة التنسيق بين هذه الجمعيَّات والمؤسسات الخيرية والصناديق الوقفية من خلال شبكة مُوحدة للمعلومات، وتوزيع المناطق الأشد فقراً وعوزاً وحاجة بينها، بحيث يتخصص عدد مُعين من هذه المؤسسات الخيرية في دولة أو منطقة جغرافية واحدة ..

 

3 – أهميَّة أن تكون هذه المؤسسات مُستقلة استقلالاً كاملاً عن الدُّول والحكومات والسياسات، ورغم صُعوبة ذلك مع وجود الضغوط الدولية التي تقوم بها بعض الدُّول المدفوعة بعداء صليبي صُهيوني على كُل ما هُو إسلامي؛ فإنَّ الأُمَّة لن تعدم العديد من الوسائل والأساليب القانونية التي يُمكن من خلالها إقامة هذه الكيانات التي تُقدِّم فيها يدن العون والمساعدة للمسلمين وغير المسلمين من الفقراء والضُّعفاء والمحتاجين ..

 

4 – وينبغي على العلماء والمفكرين والمثقفين المستقلين من أبناء الأمة الإسلامية أن يتنادوا إلى هذا العمل الذي سيمثل انطلاقة حضارية واعية لمواجهة الأزمات والمصائب والشدائد والكوارث والجوائح العامة؛ وأن يقوموا بتشكيل مجالس أُمناء وإدارات قوية لهذه المؤسسات من نُخبة من كبار المتخصصين في مجالات الإغاثة والعمل الإنساني والتنموي الاستثماري من المستقلين الذين لا علاقة لهم بالعمل السياسي والأحزاب والجماعات وغيرها  ..

 

5 – ينبغي بل يجب أن يتعاون القادرون من أبناء الأمة الإسلامية مع هذا المشروع، بأن يتعففوا عن الاستفادة من أي خدمة من خدمات التكافل التي يُقدمها هذا المشروع بما أغناهم الله من فضله؛ بل ينبغي أن يُبادروا بالتَّبرع إلى هذه الجمعيات والمؤسسات والصناديق الوقفيَّة ..

 

6 – ينبغي بل يجب على أصحاب الحاجات والظروف الطارئة أن يُحسنوا الطلب بكُلِّ أدب، وأن لا يأخذ الواحد منهم أكثر من حاجته حتى يدع المجال لغيره ممن هُم في حاجته، أو أشدُّ فقراً وحاجة منه، وفي الحقيقة فإنه ينبغي أن تسود هذه الثقافة حياة المسلمين، فكم رأينا في العديد من الحملات الإغاثية لبعض البلاد أنَّ التوزيع يكون عشوائيّاً غير مُنضبط، مع تكرر الطَّلب والأخذ، مما ينتج عنه عدم وصول المواد الإغاثية لكثير من المحتاجين ..

 

وحتى يقوم هذا الكيان الوقفي الإغاثي المتخصص في إدارة ومُعالجة الأزمات والكوارث والجوائح العامة؛ فإنه ينبغي على المسلمين ألاَّ يتوقفوا عن مُساعدة إخوانهم المنكوبين والتَّعاون مع المؤسسات والجمعيَّات الخيرية القائمة الآن في العديد من بلاد المسلمين؛ والله أسأل أن يحفظ المسلمين جميعاً من كُلِّ سُوء، وأن يُعافينا ويُعافي جميع الشُّعوب من وباء كُورونا وغيره إنَّ ربِّي كريمٌ ودود، وهُو سبحانه على كُلِّ شيءٍ قدير وبالإجابة جدير؛ هذا وباللَّه التَّوفيق، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيدنا الحبيب مُحمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين .. والله من وراء القصد؛؛؛

 

* - بقلم: د. حمدي أبو سعيد