وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (4) - للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..

وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (4) - للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..

 

 

وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (4) - للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..

 

عفو إلهي كريم ..

 

قال الله تعالى:

(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (187) ..

 

 

سبب النُّزول:

قال العلاّمة ابن كثير رحمه الله في هذه الآية: "هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام؛ فإنه كان إذا أفطر أحدهم، فإنَّما كان يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك، فمن نام، أو صلّى العشاء، حرم عليه الطعام والشّراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة". [تفسير ابن كثير: (ج1/ص 316)، ط: الشّعب] ..

 

 

المفردات:

 (لَيْلَةَ الصِّيَامِ): هي الليلة التي يُصبح منها المرء صائماً، و (الرّفثُ) إلى النساء: الإفضاء إليهن. قال الأزهري: "الرفثُ كلمة جامعة لكلّ ما يُريد الرجل من المرأة"، و (اللِّبَاس): الملامسة والمخالطة (تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ) أي: تختانون أنفسكم بعمل شيء تعدونه حراماً. (الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ): أول ما يبدو من بياض النهار، كالخيط الممدود رقيقاً ثُمّ ينتشر(الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ): هو ما يمتد من سواد الليل مع بياض النهار، فالصبح إذا بدا في الأفق، بدا كأنّه خيط ممدود، ويبقى بقية من ظلمة الليل، يكون طرفها الملاصق لما يبدو من الفجر كأنه خيط أسود في جنب خيط أبيض. و(الإتمام): الأداء على وجه التمام. وحقيقة (المباشرة): مس كل بشرة الآخر، أي ظاهر جلده، والمراد بها ما أريد. بالرّفث ..

 

 

 

والاعتكاف شرعاً: المكث في المسجد طاعة لله وتقرُّباً إليه، والحدود: واحدها حدّ، وهو في اللغة: الحاجز بين شيئين، سُمّي بها ما شرعه الله لعباده من الأحكام؛ لأنها تجدد الأعمال، وتبين أطرافها وغاياتها، فإذا تجاوزها المرء خرج عن حد النصيحة، وكان عمله باطلاً ..

 

 والمراد بالآيات هُنا: دلائل الدين ونصوص الأحكام ..

 

 

 

 روى الإمام أحمد في سبب نزول هذه الآية عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: "إنّ الناس كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء مالم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثُمّ إن رجلاً من الأنصار يُقال له قيس بن صِرمة (بكسر الصاد) صلّى العشاء، ثُمّ نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح مجهوداً، وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى النّبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأنزل الله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ ...) ..

 

 

وهذا يدل على أنه حين فُرض الصيام كان كل إنسان يذهب في فهمه مذهباً كما يُؤديه إليه اجتهاده، ويراه أحوط وأقربُ للتقوى حتى نزلت هذه الآية .. نعم إنّ رحمة الله وسعت كُلّ شيء، ومن آثار تلك الرّحمة أن أباح للصائمين الأكل والشُّرب ومُباشرة النساء ليلة الصيام، من غروب الشّمس إلى طلوع الفجر، حتى يرفع عنهم العنت والمشقة، فإذا كان الصائم قد حظر عليه أن يأتي نساؤه وهو صائم نهاراً، فقد أباح الله له ذلك ليلاً ..

 

 

 

وعَبَّر القُرآن عن الجماع تعبيراً أدبيّاً رفيعاً بكلمة (الرّفَث)، كما عبّر عنه في موضع آخر، بقوله: (وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ) [سورة النساء: 21]، وبقوله: (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا) [سورة الأعراف: 190] ..

 

 

 

وبيّن شدة الاتصال بين الرّجل وزوجته، بقوله: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ)، أي أن بينكم وبينهن تمام تداخل واتصال، وقد علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم، أي تخونانها بالتشديد عليها، فتاب عليكم فيما حدث، وعفا عنكم فيما وقع، فالآن باشروا الزَّوجات، واطلبوا ما كتب الله لكم من الولد الصالح، كذلك فقد أُبيح لكم الأكل والشُّرب ليلاً حتى يتبيّن الفجر، كما يتبيّن الخيط الأبيض من الأسود ..

 

 

 والمراد بالخيط الأبيض: نور النهار، وبالخيط الأسود: ظلمة الليل. بعدها (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، وكما يفسد الصيام بالجماع، كذلك يفسد الاعتكاف بالجماع، قال تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) ..

 

 

 

ثُمّ نهى سبحانه وتعالى عن قُرب حدوده خشية الوقوع في الحرام، فالنَّهي عن القُرب، نهي عن الفعل من باب أولى ,,  قال صلى الله عليه وسلم: ((إن لِكُلِّ مَلك حِمَى، وإنَّ حِمَى الله مَحَارِمِه، فَمَن رَتَعَ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أن يَقَعَ فِيهِ)) ..

 

 

قوله تعالى: (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، أي يتَّقون ما حرّم الله ..

 والمراد من الآيات: الأحكام الشرعية .. والحمدُ لله رب العالمين ..

 

 

 

ثم جاءت آية النّهي عن أكل أموال النّاس بالباطل:

 

قال تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188) ..

 

 

إنّما جاءت هذه الآية الكريمة بعد آيات الصيام لما لها من وقع شديد في النفوس؛ فإذا كنتم أيُّها الصائمون قد أمسكتم في النهار عن أكل ما أحلّ الله، فلا يحل لكم أن تأكلوا ما حرم الله، إذ أنه رُبّ صائم لا يناله من صومه إلاّ الجوع، ورُبّ قائم لا يناله من قيامه إلاّ السّهر، ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ..

 

 

 

فهذا الخطاب بالنسبة للصائمين أشدّ وأوقع، كأنّه قيل: أتُمسكون عن الطعام في الصيام، وتأكلون أموال النّاس بالباطل، وإنّما عبّر عهنا (بالأكل) دون غيره من الملبس والمركب؛ لأن الإنسان أشد ما يكون إلى الطعام، فكلما كثرت واشتدت حاجته إليه، كان النّهي أوقع ..

 

 

 

ثم جاءت آية الأهلة:

 

وقول الله تعالى:

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) ..

 

 

جاء في سبب نزول هذه الآية: أخرج أبو نعيم وابن عساكر عن أبي صالح عن ابن عبّاس رضي الله عنهما: أنّ معاذ بن جبل وثعلبة بن غنيمة رضي الله عنهما، قالا: ((يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط، ثُمّ يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثُمّ لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان، لا يكون على حال؟ فنزلت الآية)) ..

 

 

 

ومُناسبة هذه الآية لما قبلها من آيات الصيام؛ لأن الأهلة كما كانت مواقيت للنّاس والحج، كذلك هي مواقيت لشهر الصيام والإفطار، قال صلى الله عليه وسلم: ((صُومُوا لرُؤيَته، وأفْطِروا لرُؤيَتِه)) ، فبينهما تمام ارتباط وتناسب ..

 

 

هذا وبالله التوفيق والسداد، وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..    

 

* - من كتاب (في رحاب التفسير)؛ للعلاّمة القُرآني، فضيلة الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..