(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: الآية 13] ..
تقديـم :
إن الأحداث التي وقعت في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، والتي أدت إلى ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية لأول مرة، هي أحداث كثيرة مُتداخلة، يحتاج تدوينها إلى سرد طويل لتاريخ النصرانية في أوروبا خلال هذه المدة، وتاريخ المسلمين في الأندلس وصقلية وجنوبي إيطاليا وسردينيا وكورسيكا وجزر البليارد، وتاريخ (حملة عبد الرحمن الغافقي) التي أحتل فيها نصف مساحة فرنسا المعروفة لنا حالياً، والتي وصل بها إلى (تور) و (بواتييه)، ثم تاريخ الحروب الصليبية وأسبابها ونتائجها. وإن هذه المقالة المختصرة لا تتسع للخوض في هذا التاريخ كله، إذ يحتاج إلى سرد مطوَّل حتى يعيش القارئ في الأجواء التي مهدت وأدت إلى هذه الترجمة التي كانت نقطة البداية لهجوم فكري على الإسلام استمر منذ كتابتها حتى عصرنا الحاضر.
وكان هذا الهجوم- ولايزال - هو الأكثر خطراً وتأثيراً من الحروب العسكرية، وقد نما هذا الهجوم الفكري والعقيدي وشبَّ حتّى وصل إلى مرحلة مُتطورة في عصرنا الحاضر، وهو هجوم من شُعبتين:
شُعبة مُوجّهة إلى الشعوب النصرانية لتحصينها ضد الإسلام الذي انتشر واتسع نفوذه، وذلك بتشويه صورته، وتجريحه، والقدح فيه، ونقده، والتطاول عليه وعلى القرآن، وعلى نبي المسلمين مما كوَّن ما يُشبه الجدار السميك من الأفكار السوداء على هذا الدين الحنيف، حتى إنّ النصراني الغربي في عصرنا الحاضر - وعندما تُفلس النصرانية في نظره، ويشعر بحاجته إلى دين يُشبعه روحياً ونفسياً- نجده يقرأ ويُجرب كل الأديان بما فيها البوذية والهندوكية وما شــابه من الأديان، ولا يُفكر في الإسلام كدين يستحق الدراسة، إلا ما جاء عن طريق الصدفة، فالغربي لا يتوقع خيراً من الإسلام كدين بعد أن هُوجم باللاتينية من القرن الحادي عشر ولايزال يُهاجم، وتُرجم هذا الهجوم إلى ما يربو على ثلاثة وعشرين لغة أوروبية[1]، ما شوَّه صورته تشويهاً يكاد يُصبح عندهم من المسلَّمات ..
أما الشُّعبة الثانية فهي الشعبة الموجّهة إلى المسلمين فيما نراه من هجمات تنصيرية بشعة على أمة الإسلام ككل وعلى الدول الإسلامية ذات الكثافة السكانية على وجه التخصيص كنيجيريا وبنجلاديش وإندونيسيا.
إن الهجوم العقيدي الفكري الذي ظهر بدائياً عند نشأته الأولى على أيدي رهبان دير كلوني (cluny) مُعتمداً على الأساطير والسباب أخذ يتطور مع السنين حتى أصبح علماً، بل علوماً لها مدارس ومناهج وما الاستشراق ومقارنة الأديان ومعاهد الدراسات الشرقية في الجامعات الغربية إلا من ثمار هذا الهجوم الفكري. وما الرهبانيات ومدارس اللاهوت ومراكز التبشير، ومدارسها، ومستشفياتها، وملاجئها، ومؤسساتها الإنسانية -كذا- ومكتباتها ومطابعها وإذاعاتها ومطاراتها وسفنها التنصيرية التي تجوب البحار إلاّ قواعد هذا الهجوم.
لقد كانت الترجمة اللاتينية الأولى للقرآن الكريم هي الشرارة التي فجَّرت كمَّا هائلاً من الترجمات في شتى اللغات الأوروبية. وهي تتراوح بين الإسفاف والقَدح الشديد في الإسلام وتحريف الكَلِم عن مواضعه وبين المواربة ودقَّ الأسافين وإثارة الشُّبهات.
إن الغالبية العظمى من هذه الترجمات قام بها رهبان أو قساوسة أو مُنصرون أو مستشرقون، والقٍلَّة النادرة من الترجمات التي قام بها المسلمون كتفسير مولانا أبي الأعلى المودودي، وعبد الله يوسف على في الإنجليزية، والأستاذ محمد حميد الله في الفرنسية هي تفاسير قليلة لا تزيد على أصابع اليد الواحدة [2].
إن المسلم الذي ذاق حلاوة الإيمان، وحفظ القرآن الكريم، ودرس علومه، ولابد وأن يختلف في تفسيره للقرآن عن غير المسلم الذي لا يرعى للقرآن الكريم -وتعاليمه الخلقية وتوجيهاته السامية للفرد والأسرة والمجتمع، وللحاكم والمحكوم، في السلم والحرب- حُرمة، ولا يُطبقها في حياته.
كيف يتسنى لهذا الإنسان أن يذوق حلاوة القُرآن ويفهم مراميه وأبعاده وأغواره؟، وكيف تتجلى له تأويلات هذا الكتاب الكريم وأسراره وحقائقه حتى يستطيع أن يُترجم معانيه إلى لغة أخـرى؟.
فإذا أضفنا إلى هذا: العناد والمكابرة وسُوء النيَّة والجهل في إدراك عربية القرآن الكريم المعجزة، فــإن المحصلة تكون ما بين أيدينا من كوارث الترجمات الأوروبية التي فعلت بكتاب الله ما يشق على النفس ذكره ..
لقد حرّفوا الكلم، وأعادوا ترتيب السور حسب ما يرى المؤلف مُدّعيَّا أنه ترتيب النزول، وترجموه ترجمةً مُرسلة للسور دون التقيد بآيات هذه السور، وقد تكون السورة في مقال واحد أو في عدة مقالات، أو يُؤلف أحدهم ما يُسميه مختصر القرآن، أو قرآن محمد، أو قانون الأتراك، أو إضافة صور مرسومة يَدَّعي المؤلف أنها للنبي صلى الله عليه وسلم، أو أهم عشر سور في القرآن، أو ما يُسمُّونه أحاديث محمد -عليه الصلاة والسلام- حول المائدة، وغير ذلك مما ارتكبه القوم بحق كتاب رب العالمين.
ولو أردت أن أبرز التحريفات والأباطيل المكتوبة باللغات التي تُرجم إليها القرآن الكريم لاحتجت إلى مجلدات، فضلاً عن أنني بهذا العمل أُعيد نشر ضلالاتهم وأكررها.
والواقع أن رأس الفتنة هي الترجمة اللاتينية الأولى عام 1143م، لروبرت الكيتوني Robert of Ketton)) التي لم تكن ترجمة فقط، وإنما أُضيف إليها هُجوم وقدْح في الإسلام والقرآن ونبي المسلمين عليه الصلاة والسلام، فيما يسمونه (Polemics)، ثم لحقتها الترجمة اللاتينية الثانية عام 1721م، والتي قام بها لودفيج ماراتشي (Ludovico Marracio)، وهي أشد قدْحاً وهُجوماً من الأولى.
وقائع وأحداث على الطريق:
ما إن مرت مائة عام فقط على وفاة سيدنا محمد عام 632م حتى كانت جيوش المسلمين قد اجتاحت إسبانيا إلى نربونة (Narbonne) في الركن الشمالي الغربي لحوض البحر الأبيض المتوسط على الحدود بين فرنسا وإسبانيا. وكان ذلك عام720م. ثم وصلوا إلى تولـوز (Toulouse) عـام 721م، فكاركاسون (Carcassonne) عام 725م، وبوردو (Bordeaux) عام 732م، (وتور) و (بواتييه) (Tours&Poitiers)، قرب باريس عام 732م، وبهذا تكون جيوش المسلمين قد فتحت ما يقرب من نصف مساحة فرنسا المعروفة لنا حالياً.
أما جنوبي إيطاليا، وصقلية، وكورسيكا، وسردينية، ومالطة، وجزائر البليارد، ورودس، وقُبرص، وجبال الألب، وسويسرا، فقد سقطت كلها في أيدي المسلمين لفترات مختلفة.
ولاشك أن هذا الفتح الإسلامي الصاعق قد زلزل أوروبا الغارقة في جهالة العصور الوسطى في ذلك الوقت، وكانت أطرافها الشمالية لا تزال تَدين بالوثنية، وكانت تُهاجم من الشرق والشمال بالوثنيين، ومن الجنوب والجنوب الغربي بالمسلمين.
وقد تم فتح الأندلس وجزء من لانجدوك (Languedoc) -في جنوبي فرنسا- في أقل من سنتين.
ويقول المؤرخون العرب إن خطة موسى بن نصير كانت تقضي بأن يعود الى مقر الخلافة الأموية في دمشق عن طريق ألمانيا ومضيق القسطنطينية وآسيا الصغرى، مُلتفَّا بذلك حول البحر الأبيض المتوسط.
وكان المسلمون في فترة من فترات هذا الغزو الصاعق يغدون ويروحون بحريَّة في جميع أنحاء سويسرا، حتى وصلوا إلى أبواب مدينة سانت جال (Saint Gallen) قرب بحيرة كونستانز (Constance).
لقد عبرت الحضارة العربية الإسلامية إلى أوروبا من خلال إسبانيا وصقلية، ومن خلال (بلاد الشّام) أثناء الحروب الصليبية. ولاشك أن إسبانيا كانت أهم طريق عبرت من خلاله الحضارة العربية الإسلامية التي أيقظت أوربا، عندما غدت مُنطلقاً لترجمات المعارف والعلوم العربية على نطاق واسع في مدينة طليطلة[3]. كما ساهمت (صِقِلّيّة) العربية في نقل الثقافة والعلوم العربية والحضارة الإسلامية في تعاون حضاري فريد في تاريخ العلاقات بين العرب وأوروبا.
فقد نقل (النورمانديون) حُكام صقلية في ذلك الوقت آداب وعلوم العرب، واستخدموا العربية لغةً رسمية إلى جانب اللاتينية واليونانية، وضربوا النقود على النَّمط الإسلامي. وكان أشهر حكامهم (فريدريك الثاني) 1215 - 1250م وابنه (مانفرد).
وكانا يعرفان العربية قراءة وكتابة، وقد ألَّفَا بها، وأنشأ (فريدريك) (جامعة نابولي) عام 1224م مُهدياً إيَّاها مجموعة كبيرة من الكتب العربية. وكان من الممكن أن يكون التفاعل بين الحضارة الإسلامية وأوروبا مدخلاً مُنصفاً للإسلام من قبل المسيحية في أوروبا، كما كان من الممكن -بشيء من الموضوعية والبُعد عن التعصب .الأعمى والمكابرة- توفير الصراعات الطويلة والآلام المأسوية التي خضبت تاريخ العلاقات الإسلامية النصرانية لو تناول النصارى هذا الاحتكاك الحضاري بنظرة أكثر واقعية، وبعيدة عن التعصب الديني الأعمى الذي سيطر على قياداتهم في ذلك العصر.
وكانت القيادة في يد الكنيسة التي وجدت في عداوتها للإسلام والمسلمين وسيلةً لحل الخلافات، وتوحيد الكلمة على عدو مُشترك هو الإسلام والمسلمين، وتأكيد زعامة الكنيسة وتفوقها على الملكيات الأوروبية بتوجيهها للحملات العسكرية إلى بلاد المسلمين.
ولقد اتفق المؤرخون على أن عصراً جديداً للكنيسة الغربية بدأ في النصف الأول من القرن الحادي عشر، وذلك بتزعم البابوية لأوروبا باعتبارها "خليفة بطرس" في وراثته للمسيح، وتُمكنها من فرض طاعة الملوك والشعوب لها.
والظاهرة الثانية في هذا العصر الجديد للكنيسة هو ظهور الرهبانيات التي تدعو للإصلاح. وكانت رهبانية كلوني (Cluny) التي أُسست 910م، في فرنسا من الرهبانيات التي مهدت لهذه الحركات الإصلاحية، مُتمتعة بنفوذ واسع امتد إلى إسبانيا والفاتيكان. وقد سُمّيت الفترة من 1050م إلى عام 1150م بالنهضة الأولى، وفيها ظهر التعليم العالي والفكر الفلسفي، وظهر (علم اللاّهوت) بمفهومه الحديث، كما أن البابوية تأثرت كثيراً بصيحات النجدة التي كانت تُطلقها الكنيسة الشرقية من وقت لآخر تحت تأثير الضغط السُّلجوقي على البيزنطيين في آسيا الصغرى.
وقد استنجد الإمبراطـور البيزنطي "ألكسيوس الأول" بالبابا "أوربان الثاني" [4] (Urban 11) مُعلن الحرب الصليبية على المسلمين في دير كليرمونت (Clermont) عام 1095م.
ومن الرهبانيات التي كان لها دوراً بارزاً في هذه الصحوة النصرانية رهبانية سيتو (Citeaux) بفرنسا التي أسست عام 1098م، وكان شعارها: "الحياة البسيطة الفقيرة والعمل اليدوي" مُؤكدة بذلك المبادئ التي أعلنهـا القديس بنديكت (St. Benedict) في إيطاليا حيث النشأة الأولى لحركة الرهبانيات التي بدأت صغيرة مُتواضعة مثل رهبانيات كامالدوليس (Camaldolese) و فالومبروسان (Vallombrosans).
ثم انتقلت الحركة الرهبانية إلى فرنسا حيث أشتد عودها، فظهرت رهبانية (جراند مونتين) (Grand Montines) (عام: 1077م)، ورهبانية (كارثوسيان) Carthusians)) (عام: 1084م)، وظهرت حركات أخرى في بريطانيا. وانتشرت الرهبانيات في أوربا عامة حتى بلغت نقطة التشبع في القرن الثاني عشر. وكان من أشهر رؤساء هذه الرهبانيات سانت برنارد (St.Bernard) رئيس رهبانية (سيتو) (Citeaux ) في (كليرفو) Clairvaux) ) من عام 1115م حتى عام 1153م، قاد فيها رهبان سيسترسيان ( Cistercians ) لمدة تقرب من الثلاثين عاماً، وكان منافساً قوياً لرهبانية (دير كلوني) ورئيسها (بطرس الكلوني)، أمّا رهبانية (فرسان المعبد) والتي تأسست (1121م) فقد بلغت شأواً كبيراً في فرنسا، وقامت بدور بارز في الحرب الصليبية. وكانت لها صفة عسكرية، كما أثرت إثراءً فاحشاً نتيجة للهبات والتبرعات والأوقاف التي انهالت عليها لدورها في الحرب الصليبية، فأصبحت مع الوقت مصدر قلق لملوك فرنسا، حتى إن الملك (فيليب الرابع) اضطر للتخلص من اثنين من البابـوات، فاختطف بونيفاك الثامن ((Boniface vlll (1303م)، ودس السم (لبنديكت الحادي عشر) (Bendedict Xl) 1305م، حتى تمكن من تعيين )كليمنت الخامس( (Clement V)، كي يساعده في عملية سحق فرسان المعبد عام 1307م .
واعتبر هذا القرن - أي القرن الثاني عشر - العصر الذهبي للرهبانيات التي انتشرت في ربوع أوربا مثل رهبانيات كلوني، وكليرمونت، وأفينيون، وباريس في فرنسا، وكلونيا، وآخن في ألمانيا، وكانتربيري في انجلترا، وسانت جال في سويسرا، وكانوزا وروما في إيطاليا، وسينتياجو دي كومبا ستيــلا في إسبانيـا[5].
وطغت أسماء مُفكرين، وظهرت اتجاهات وفلسفات، واشتهر كثيرون بحركاتهم الإصلاحية، وعمّت النصرانية يقظة عامه وهجمة قوية على الإسلام. وقاد هذه الحركات رهبان أمثال: (لانفراك)، و (أنسليم) في كانتربري، و (هيج) و (بطرس) في كلوني، وريتشارد في سانت فيكتور، وبرنارد في كليرفو.
وفي ظل هذا الجو المُكْفَهِر القاتم المشحون بعداوة الإسلام ومُهاجمته على كل الجبهات في صقلية والأندلس والقدس، تُرجم القرآن الكريم أول ما تُرجم في أوروبا إلى اللغة اللاتينية لغة الكنيسة، على يد قساوسة مُتعصبين حاقدين !!.
ديـر كلونـي (Monastry of Cluny): (910 – 1791م)، وخُرِّب بين عامي: (1798- 1832م).
لابد من التَّعريف بهذا الدير الذي أخذ زمام المبادرة بحرب الإسلام والمسلمين فكرياًّ في فرنسا وخارجها، ممّا أدّى إلى تكوين عداوة وسوء فهم للإسلام دائِمَيْن حتى يومنا هذا. فقد تأسس (دير كلوني) عام 910م في مقاطعة بورجاندي (Burgundy)، وكان لعائلة (مونت بواسيه) الفضل في إنشائه والسهر على شئونه المالية والإدارية. فقد تقلد أفراد هذه العائلة منصب رئاسة الدير بطريقة وراثية حسب التدرج العائلي.
* - للموضوع -صلة- بمشيئة الله تعالى ..
* - الدراسة بقلم: العالم الجليل أ. د حسن المعايرجي (رحمه الله) – صاحب فكرة الهيئة العالمية للقُرآن الكريم ..
_________________
[1] - إذا اعتبرنا لغة الأفريكان، وهي لغة سكان جنوب أفريقيا البيض لغة أوروبية (وهي خليط من الهولاندية والإنجليزية)، فإن العدد يصبح 23 لغة أوروبية تُرجم إليها القرآن الكريم.
[2] – بلغت الترجمات الكاملة للقرآن الكريم في اللغات الأوروبية مع طبعاتها المتعددة (671 ترجمة) وطبعة، وبلغت الترجمات الجزئية والمختارات (245 ترجمة)؛ وذلك حتى عام 1980م في (22 لغة أوروبية) - المصدر: (البيبليوغرافيا العالمية لترجمات معاني القرآن الكريم - مركز لأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية - استانبول 1986 م).
[3] – لقد بلغ الرُّقي والحضارة الإسلامية في الأندلس مبلغاً عظيماً، حتى أشاد المسيحيون أنفسهم بما بلغته قُرطبة من الرُّقي وازدهار الصناعة الفنون، وبما كان يسود قُصورها من التّرف والسلوك الرفيع، والتقدم الثقافي والعلمي الذي حدا (بجورج الثاني ملك إنجلترا) إلى إرسال بعثات علمية إلى الأندلس لتنهل من المعرفة والعلوم في بلاد المسلمين. وكانت إحدى هذه البعثات تضم (18 فتاة) يُرافقهن رئيس موظفي القصر الملكي: النبيل "سفيلك". وعلى رأس البعثة الأميرة "دوبانت" ابنة أخت الملك، وقد جاء في خطاب الملك إلى الخليفة هشام الثالث ما يلي:
"من جورج الثاني ملك إنجلترا والغال والسويد والنرويج إلى الخليفة ملك المسلمين في الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام".
بعد التعظيم والتوفيق:
فلقد سمعنا عن الرُّقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الضافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل تكون بداية حسنه في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يشملها الجهل من أركانها الأربعة. وقد وضعنا ابنة شقيقتنا الأميرة "دوبانت" على رأس بعثة من بنات الأشراف الإنجليز، لتتشرف بلثم أهداب العرش، والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وحماية الحاشية الكريمة، وحدب من لدن الذين سيتوفرون على تعليمهن، وقد أرفقت الأميرة بهدية مُتواضعة لمقامكم الجليل أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب والإخلاص.
من خادمكم المطيع جورج م . أ.
انظر: (د. محمد جميل غازي - الإسلام يحيا في الأندلس - دار الأنصار - القاهرة 1981م، ص : 30-31 ، نقلا عن كتاب العرب، عنصر السيادة في القرون الوسطى للمؤرخ الإنجليزي "جون دواتبورت").
[4] – البابا أوربان الثاني Urban11 1035-1099، خريج مدرسة (دير كلوني) الفكرية، ولد في (لاجيري) بمقاطعة (شامباني) بفرنسا، ودرس في (سواسون) و (ريمي)، ويُقال إنه درس في الأندلس، وتقلد عدة مناصب انتهت به إلى أن أصبح راهباً في (دير كلوني) من عام 1070م حتى عام 1074م.
وقد سارع إلى ترجمة أفكار (دير كلوني) فور تثبيت مكانته في كرسي البابوية بإعلانه الحروب الصليبية في (مجلس كلير مونت) عام 1095م في خطبته الشهيرة، وسمَّى هذه الحروب: (الحرب الصليبية الأولى)، وكأنه يدعو إلى غيرها!.
كما ساهم في إعانة الجيوش الشهيرة لاسترداد أراضي الأندلس من المسلمين، كما أعاد ترتيب الكنيسة في إسبانيا، وضمن بذلك تأييد الإسبان له، فضلاً عن الفرنسيين المتعاطفين معه.
كما سعى إلى توحيد الكنيسة البيزنطية والكنيسة اللاتينية وذلك في مدينة باري عام 1098م .
مات أوربان الثاني خريج كلوني في 29 يوليو 1099م بعد أن سقطت القدس في 15 يوليو 1099م في أيدي الصليبيين، ولا أدري هل علم بأخبار سقوط القدس قبل موته أم لا ؟! (*) وهل علم بالمذبحة الكبرى التي كانت ثمرة دعواه المتعصبة أم لا؟!، وهل كانت هذه الحرب بدوافع دينية حقيقية لتخليص الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين؟!، أم كانت مخرجاً لتوجيه جيوش الأمراء والملوك إلى خارج أوروبا لتقوي شوكة الكنيسة؟! أي أنها كانت حرباً لحل مشاكل داخلية على حساب فتح ديني عاطفي في الخارج.
وعلى كل الأحوال فهذه العينة الكلونية مثال صارخ على التعصب الأعمى الذي مارسه "أوربان"، وتبعه رهبان آخرون مثل "بيتر الهرميت" و "بطرس الكلوني" وغيرهما.(*) وصلت أنباء سقوط القدس بعد مدة قصيرة من موت أوربان واعتلاء باسكال الثاني كرسي البابوية .(The Oxford dictionary of Popes ) 161 p.
[5] – ادَّعوا العثور على رفات القديس جيمس (أخو المسيح عيسى) وذلك في سنتياجو (أسبانيا) عام 830م ، وقد دمرها المنصور عام 977م وكان يُحَجُّ لها ونافست روما.