وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (1) - للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..
logo

وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (1) - للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..

وقفات تربوية مع آيات الصيام من كتاب (في رحاب التفسير) – (1) -  للعلاّمة القُرآني الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..


قال الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(184) [سورة البقرة] ..

 

 

المفردات: الصيام في اللغة: الإمساك والكف عن الشيء، وفي الشَّرع: الإمساك عن الأكل والشُّرب وغشيان النساء من الفجر إلى المغرب احتساباً لله، وإعداداً للنفس وتهيئة لها لتقوى الله بمراقبته في السِّرّ والعلن،.

والإطاقة: القدرة على الشيء مع تحمل المشقة الشديدة.

 والفدية: هي طعام مسكين من أوسط ما يُطعمون منه أهليهم بقدر كفايته أكلة واحدة عن كل يوم يفطرونه، واليُّسر: السهولة والتخفيف، وضده العُسر.

 

 

الصيام في الإسلام عبادة كريمة الشأن رفيعة المستوى، إذ أنّه يقوم بتهذيب الدوافع الفطرية من المأكل والمشرب والملبس والمباشرة الجنسية. ولعلنا نلحظ دور الصيام في تربية الضمير، فهو أستاذ في علم الأخلاق، يغرس في النَّفس قوة مُراقبة الله للعبد.  وهنا نسأل: لماذا كان الصيام بين الإيمان والتقوى في قوله جلّ شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)؟ ؛ ذلك لأن الإيمان تصديق بالقلب، وما استقر في القلب سر من أسرار الله لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى ..

 

والتقوى؛ وهي مخافة الله محلها القلب أيضاً؛ فقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره الشريف وقال: ((التَّقْوَى هَاهُنا)). وجاء الصيام بينهما كأنَّه واسطة العقد، إذ الصيام عبادة سريّة لا يطلع عليها إلا الله، فهو إمساكٌ عن المفطرات من شهوتي البطن والفرج من مطلع الفجر إلى غروب الشمس، ولذلك أضافه الله تعالى إلى ذاته الأقدس حيث قال في حديثه القُدسي الجليل: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)) [صحيح البخاري؛ برقم: (805)، وصحيح مُسلم؛ برقم: (1151)] ..

 

فالإنسان في صيامه تحت رقابة الله، لا يطلع عليه غيره، ومن هنا كانت المناسبة قوية بين الصيام والإيمان والتقوى، وهل الضمير إلاّ شدة الرقابة من العبد في أفعاله؟ فأنت تستطيع أن تأكل مِلْ بطنك وتشرب من المثلجات وتخرج لتشكو للناس شدة الحرّ والعطش في نهار رمضان، وأنت تعلم أنك تُخادع نفسك ..    

 

 الله يدري كل ما تضمر        ***  ويعلم ما تُخفي وما تظهر

وإن خدعت الناس لم     ***        تستطع خداع من يطوي ومن ينشر

 

وقد صدق الهادي البشير صلى الله عليه وسلم وهو يقول لجبريل: ((الْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) [صحيح البخاري؛ برقم: (49)]  ..

 

 

 فهنا مقامان: مقام المشاهدة، ومقام المراقبة، وإذا كان في القصاص حياة للنفوس، فإن في الصيام حياة للأرواح، فالشبع بحر تجري فيه الشياطين، والجوع نهر تسبح فيه الملائكة. وهكذا يتبين لنا أستاذية الصيام في علم الأخلاق؛ أما أستاذيته في علم الاجتماع؛ فإنها تتجلى في قول الصادق المعصوم: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)) [صحيح البخاري؛ برقم: (5066)، وصحيح مُسلم برقم: (1400)] ..

  

كما أنّ حكمته الاجتماعية تتجلى في صيام الحكام الذين إذا تربعوا على كراسي الحكم لا يكادون يشعرون بقوم يبيتون على الطوى، يعبث الجوع بأمعائهم، يستحلبون الصُّخور؛ وقومٌ آخرون تتمرغ النعمة في أعتابهم ويشتهون أن يدوسوها بأقدامهم. كان نبي الله يوسف الصديق عليه السلام: يصوم يوماً ويفطر يوماً، فقيل له: لما تُكثر من الصيام، وقد جعل الله خزائن الأرض تحت يديك، فقال كلمته الشهيرة: ((إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَشْبَعَ، فَأَنْسَى الْجِيَاعَ)) [الدُّر المنثور في التفسير بالمأثور؛ للإمام السيوطي رحمه الله: (ج8/ص 229)]، ويرحم الله الفاروق عمر رضي الله عنه كان بطنه يُحدثُ أصواتاً من كثرة ما أكل بالزيت، فكان يقول لبطنه: ((قرقر، أو لا تُقرقر، لن تذوق اللحم حتى يشبع أطفال المسلمين)) ..

 

إن جاع في شدة قوم شركتهم    *** في الجوع أو تنجلي عنهم غواشيها  

جوع الخليفة والدنيا بقبضته     ***    في الزهد منزلة سبحان موليها

فمن يُباري أبا حفص وسيرته    ***     أو من يُحاول للفاروق تشبيهاً

يوم اشتهت زوجه الحلوى        ***    فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها

ما زاد عن قُوتنا فالمسلمون به    ***    أولى فقومي لبيت المال رُدّيها

كذاك أخلاقه كانت وما عهدت  ***     بعد النبوة أخلاق تُحاكيها

 

والصيام أستاذ في السياسة والاقتصاد فهو عامل وحدة بين الأمة الإسلامية في رمضان مهما ترامت أطرافها، واتسع مداها في مشارق الأرض ومغاربها، إذ الكل عند مطلع الفجر في حالة إمساك عن المفطرات، فإذا ما غربت الشمس علم الجميع أنّ الإِذن قد ورد من رافع السماء بلا عمد بإباحة ما كان مُحرّماً من قبل، فقال كلٌ منهم بلسان اليقين ومنطق الحق المبين: ((اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت اغفر لي ما قدّمت وما أخرت، الحمد لله ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى))، وكان واجباً على المسلمين أن يعلموا الحكمة من الصيام، فليقتصدوا في المطعم والمشرب والإنفاق، وقد كان إفطار الرّسول صلى الله عليه وسلم متواضعاً مُقتصداً، بعض التمرات وبعض اللبن، فإن لم يجد فعلى شيء من الماء؛ ((و مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ؛ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ: فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ )) [رواه الإمام أحمد في المسند؛ برقم: (16735)، والإمام الترمذي في جامعه؛ برقم: (2380)، وقال: حديثٌ حسنُ صحيح] ؛ وهنا يأتي دور الصيام طبيّاَ ..

 

 

قال أحد المجادلين لأحد علماء المسلمين إنّ كتابكم خالي من الطب، فقال له العالم المسلم: بل إن كتابنا جمع الطب كلّه في نصف آية، قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [سورة الأعراف: 31]، ولما أرسل المقوقس عظيم مصر بهدية إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم قبلها الهادي البشير صلى الله عليه وسلم، ولكنه ردّ الطبيب، وقال له: لسنا في حاجة إليك، ولما رجع الطبيب إلى المقوقس سأله لماذا ردّك محمد صلى الله عليه وسلم؟، قال الطبيب: لقد أرسلتني إلى رجل جمع الطبّ كُلّه في كلمتين: ((نحن قوم لا نأكل إلا إذا جُعنا، وإذا أكلنا لا نشبع))[1] ..

 

 

فماذا يقول الطب عن الصيام؟ ..

قال الأطباء: إن من الناس من يتوهم أنّ في صيام رمضان مضرّة تلحق بالصائم لما يُصيب الجهاز الهضمي خاصّة وغيره عامّة، ولما يكون من بعض الصائمين من انفعال وغضب، وهذا خطأ؛ لأنّ ما ذهبوا إليه ليس من الصيام في شيء، ولكنه من ترك الاعتدال في طعام الإفطار والسحور؛ ولأنهم لم يُراعوا ما يتناسب مع خلو المعدة النهار كله وقت الإفطار؛ ولأن السحور يجب أن يقتصر على بعض لُقيمات؛ لأنه لا ضرر من الجوع في حد ذاته، لقد ظهر أنّ الصيام بفيد في حالات كثيرة، وهو العلاج الوحيد في أحوال أخرى، وهو أهم علاج إن لم يكن العلاج الوحيد للوقاية من أمراض كثيرة، فللعلاج يُستعمل في:

 

1- اضطرابات الأمعاء المزمنة والمصاحبة بتخمر في المواد الزلالية والنّشوية، وهنا ينجح الصيام، وخصوصاً عدم شُرب الماء بين الأكلتين، وأن تكون بين الأكلة والأخرى مدة طويلة، كما في صيام رمضان، وممكن أخذ الغذاء المناسب حسب حالة التخمر؛ وهذه الطريقة هي أنجح طريقة لتطهير الأمعاء.

 

2 – زيادة الوزن الناشئ من كثرة الغذاء وقلة الحركة؛ فالصيام هنا أنجح من كل علاج مع الاعتدال وقت الإفطار في الطعام والاكتفاء بالماء في السحور.

 

3 – زيادة الضغط الذَّاتي؛ وهو آخذ في الانتشار بازدياد الترف والانفعالات النفسية؛ ففي هذه الحالة يكون شهر رمضان نعمة وبركة خصوصاَ إذا كان وزن الشخص أكثر من الوزن الطبيعي لمثله.

 

4 – البول السُّكري؛ وهو منتشر انتشار الضغط، ويكون في مدته الأولى، وقبل ظهوره مُصاحباً غالباً بزيادة في الوزن، فهو يكون الصيام علاجاً نافعاً؛ إذ أنّ السكر يهبط مع قلة السّمَن، ويهبط السكر في الدم بعد الأكل بخمس ساعات إلى أقل من الحد الطبيعي في حالات البول السكري الخفيف، وبعد عشر ساعات إلى أقل من الحد الطبيعي بكثير، ولا يزال الصيام مع بعض ملاحظات في الغذاء أهم علاج من هذا المرض حتى بعد ظهور الأنسولين خصوصاً إذا كان الشخص يزيد عن الوزن الطبيعي، ولم يكن هناك علاج لهذا المرض قبل الأنسولين غير الصيام.

 

5 – التهاب الكُلي الحاد والمزمن المصاحب بارتشاح وتورم.

 

6 – أمراض القلب المصاحبة بتورم.

 

7 – التهاب المفاصل المزمنة خصوصاً إذا كانت مُصاحبة بسمنة، كما يحصل عند السيدات غالباً بعد سن الأربعين، وقد شوهدت حالات تتمشى في شهر رمضان بالصيام فقط أكثر ممَّا  تتمشى مع علاج سنوات بالكهرباء والحقن والأدوية وكل الطب الحديث.

 

إنّ فائدة الصيام للأصحاء هي الوقاية من هذه الأمراض التي مرّ ذكرها ..

 وهذه الأمراض كلها تبتدئ في الإنسان تدريجيّاً بحيث لا يُمكن الجزم بأول المرض، فلا الشخص ولا طبيبه يُمكنهما أن يعرفا أوّل المرض؛ لأن الطبّ لم يتقدم بعد إلى الحد الذي يعرف فيه أسباب هذه الأمراض كلها، ولكن من المؤكد طبيّاً أن الوقاية من كل هذه الأمراض هي "الصيام"؛ بل إن الوقاية فعالة جداً قبل ظهور أعراض المرض بوضوح، وقد ظهر بإحصاءات لا تقبل الشّك: أن زيادة السّمَن يصحبها استعداداً للبول السُّكري، وزيادة الضغط الذاتي، والتهاب المفاصل المزمن وغير ذلك، ومع قلة الوزن يقل الاستعداد لهذه الأمراض بالنسبة نفسها ..

 

 

والصيام شهر كل سنة هو خير وقاية من كل هذه الأمراض، وهذه الأمراض تنتشر بزيادة الحضارة والترف، فقد انتشرت في أوروبا أكثر، وفي مصر يكاد يكون البول السكري وزيادة ضغط الدم مُقتصرين على الطبقات الوسطى والعليا وقليل جداً من الفقراء ..

 

 ويغلب على الظن أنّ ذلك هو السر في أن الصيام في الإسلام أشد منه في الأديان السابقة؛ لأن الإسلام هو آخر الشرائع السماوية، جاء في زمن نحتاج فيه إلى وقاية من أمراض تزداد كلما زاد الترف ..

 

 

* - وللموضوع صبة بمشيئة الله تعالى ..

* - بقلم: العلاّمة الشيخ عبد الحميد كشك (رحمه الله) ..

 

_______________

[1] هذه الرواية ذكرتها بعض كُتب السيرة النبوية، وقال بعض أهل العلم بأنها (ضعيفة)، ولكن معناها صحيح، والعلم عند الله تعالى ..