التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ للقُرآن الكَريم (1 – 3)، بقلم: العلاَّمة أ. د. محمد رجب البيُّومي (رحمه الله) ..
logo

التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ للقُرآن الكَريم (1 – 3)، بقلم: العلاَّمة أ. د. محمد رجب البيُّومي (رحمه الله) ..

التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ للقُرآن الكَريم (1 – 3)، بقلم: العلاَّمة أ. د. محمد رجب البيُّومي (رحمه الله) ..

التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ للقُرآن الكَريم (1 – 3)، بقلم: العلاَّمة أ. د. محمد رجب البيُّومي (رحمه الله) ..

 

نزل القُرآن الكَريم على رسُول الله صلى الله عليه وسلم ليُبَيِّنَهُ للنَّاس فليست عُقول السَّامعين بمنزلة واحدة في الفَهْم، فإذا كانوا عند نُزول القُرآن عربًا يفهمون الأُسلوب العربيّ على وجهه الصَّحيح- فذلك لا يمنع أن يُوجد بينهم من يَنِد عنه معنى من المعاني، ومن يفهم القول على أنَّه حقيقة وهو مُجاز، ومن لا يلتفت إلى مُجمل يحتاج إلى تفصيل، أو مُطلق له ما يُقيِّده، لذلك كان رسُول الله صلى الله عليه وسلم يقوم برسالة ربه حين يُوضِّح الغامض، ويُفصِّل المُجمل، ويهدى للتَّي هي أقوم مُستضيئًا بوحي الله ..

 

 وما ثَبُت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المجال وصَحَّت روايته بإسنادها الصَّحيح هُو من قَبيل التَّفسير بالمأثور، مما لا يجُوز أن يقع فيه الخلاف ما دُمْنا أمام النَّص الصَّريح ..

 

وقد نجد في بعض الآثار ما يدل على أنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم كان يَقْتَضِبُ القول في تفسير كتاب الله، من ذلك مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أنَّها قَالَتْ: ((مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُفَسِّرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا آيًا بِعَدَدٍ، عَلَّمَهُ إِيَّاهُنَّ جِبْرِيلُ))، وهو ما حمله العلماء على تفسير المُغَيَّبَاتِ وحدها مما أستأثر الله بعلمه، وقد قالت عائشة رضى الله عنها ذلك حين وجدت أسئلة تدور حول هذه المغيبات، وما تحفظ بعض الصحابة في تفسير بعض الآيات إلاَّ من هذا المنحى، فلم يشاؤوا أن يتجاوزوا ما وقف عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمّا ما رُوى عنه صلى الله عليه وسلم من تفسير الآيات فباب كبير يحتل مكانة في كتب الصِّحاح، وقد جمعه الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتاب خاص ..

 

وقد قُلت في كتابي (البيان النَّبوي) ما نَصُّه:

"وقارئُ ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجال التفسير يُدرك أن شُروحه لم تكن في أكثر حالاتها تفسيرًا لُغويًا؛ لأن القُرآن قد خاطب العرب بما يفهمون، وما نفذ الذِّكر الحكيم إلى قُلوبهم إلاَّ لوضوحه في عقولهم، ونُصوعه في أذهانهم، وهم بعد أهل اللغة وخبراؤها الثِّقات، إلاَّ ما وُجد من كلمات كانت تغيب معانيها عن فريق دون فريق مثل ((البِضْع)) في قوله تعالى: (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)، فقد رَوى ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: ((إنَّ البِضْعَ مَا بَيْنَ الثَّلاَثِ والتِّسْعِ مِنَ السَّنَواتِ))، ومثل كلمة ((المُهْل)) فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في تفسير قول الله عز وجل: ((وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ)): أي كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه ..

 

وقد ذكر الدكتور الذهبي (رحمه الله) في الجُزء الأَّول من كتاب (التفسير والمفسرون) إجابة مُسْهبة عن السُّؤال: هل تناول النَّبي القُرآن كله بالبيان؟ وما المقدار الذي بَيَّنَه الرَّسُول صلى الله عليه وسلم من القُرآن لأصحابه؟ فسرد أدلة من قالوا بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ جميع معانى القُرآن مُقارنة بأدلة من قالوا بأنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لم يُبين لأصحابه إلاَّ القليل من معاني القُرآن، وانتهى من هاتين إلى التَّوسط بين الرأيين؛ حيث بيَّن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم كثيرًا من المعاني كما تشهد بذلك كُتب الصِّحاح، ولم يُبين كل المعاني؛ لأنَّ من معاني القُرآن ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما يَعْلَمُه العلماء وحدهم، ومنه ما تَعْلَمُه العرب في لُغتها، ومنه ما لا يُعذر أحد في جهالته؛ كما صرَّح ابن عباس رضي الله عنه فيما رواه عنه ابن جرير الطَّبري (رحمه الله) في تفسيره حين قال: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ..

 

وبدراسة ما روي من التفسير النبوي نجد أنه اتجه إلى ثلاثة أنواع: نوع يكشف عن المعاني المجهولة لألفاظ لا يُوحى بها المنطوق، ونوع ثان جاء تفسيره في سياق إرشادي يُمهد لمراميه ويكشف عن مدلوله، ونوع ثالث أوحى به المقام من توجيه سُؤال أو واقع حال، وكلها تُصور وقوفه صلى الله عليه وسلم على دقائق الأحكام وأسرار البيان ..

 

والأمثلة على هذه الأنواع كثيرة مما لا يتسع له المجال، ولابُد من الاستشهاد لكل نوع بما يُوضح مرماه لافتين النظر إلى صَنيع قوم لم يُراعوا حق البحث العلمي النَّزيه في هذا الصدد؛ حيث جمع ناشر مُعاصر من كتب الصحاح وغيرها ما سماه (تفسير الرَّسُول صلى الله عليه وسلم) ولو كان قد اقتصر على الثَّابت الصحيح من مصادره المعتمدة لأسدى مِنَّةً جزيلة للقارئين، ولكنه جمع كل ما عثر عليه موضوعًا أو صحيحًا ليزيد من حجم الكتاب، وقدمه تحت عنوان: (تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم)، وشبيه بهذا الصَّنيع ما يجمعه بعض المتلبسين تحت عنوان مثل: (خُطب الرسول صلى الله عليه وسلم)، و(قصص الرسول صلى الله عليه وسلم)، و(رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم)، وأكثرها مما لا يَمُتُّ إلى الصِّحاح، وإنِّما وُجد في كُتب غير مُتَخَصِّصة كَكُتب الأدب والمحاضرات، ومن أعجب العَجَب لدى هؤلاء أن يكون "الكَشْكُول" و "الأغاني" و "العِقْدُ الفريد" من مراجع الحديث الشَّريف مع أنَّ رجال التَّاريخ الإسلامي لا يعتمدون كُتب الأدب من مراجعهم الموثوقة .. فكيف تُصبح مرجعًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ..

 

ونحن نعرف أنَّ تدوين التفسير قد تطور في تأليفه على مر العُصور استجابة لدواعي التأليف المُطَّرد بنمو الزَّمن، فإذا حاول جامع ما أن يكتب ما لديه من تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم على النَّسق المتداول في كُتب المتأخرين، فقد أخَلَّ بمنهج العلم، وعليه أن يقتصر على المأثور وحده مُقدّرًا تبعة ما يقوم به من جمع غير مُلتزم، ومُتذكرًا ما رواه ابن عباس رضي الله عنه عن رسُول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث قال: (( اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ؛ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّار،ِ وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)).[أخرجه الترمذي؛ برقم: (2591)] ، والرَّأْي هُنا الهوى لا ما يُوحيه النَّظر السَّديد ..

___________

* - للمقال –صلة وتكملة- بمشيئة الله تعالى ..

* - بقلم العلاَّمة المفكر والأديب أ . د . محمد رجب البيومي، عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر (رحمه الله) ..